تقرير الهيئة العليا المستقلة للانتخابات حول العملية الانتخابية لسنة 2014

التقديم

مثّلت سنة 2014 سنة مهمة في تاريخ الانتقال السياسي في تونس، إذ بعد تعطل المسار الديمقراطي، تمّ انتخاب مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والمصادقة على الدستور، ثمّ على القانون الانتخابي. ولعل الاستقرار على خيار الإدارة المستقلة للانتخابات، علاوة على كونه أحد أهم مكتسبات تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، مثل مدخلا رئيسيا للترسيخ الديمقراطي. فقد جرت الانتخابات التشريعية والرئاسية وفق معايير النزاهة والتعددية مما خوّل لتونس مرتبة مشرفة في الترتيب العالمي لنزاهة الانتخابات، بل واعتبرت تونس وفق بعض التقييمات الدولية بلد العام 2014.

ويمكن القول لو أخذنا الأمور بخواتمها بأن إدارة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كانت ناجحة اعتمادا على معايير ستة:

  • أولا: نجحت الهيئة في تأكيد مبدا الديمقراطية عبر القانون، فقد تمّ إنجاز الانتخابات دون تجاوز الأجل الذي حدده الدستور، وهو موفى سنة 2014، بالرغم من أن جانبا من الرأي السياسي اعتبر الالتزام بالأجل الدستوري غير ممكن خاصة وأن الأطراف السياسية تأخرت كثيرا في حسم موعد و خيار عدم تزامن الانتخابات التشريعية بالرئاسية.
  • ثانيا: تميّزت هذه الانتخابات بالإدماجية، لتيسير مشاركة فاعلة وعلى أوسع نطاق لمختلف الفئات من الناخبين في مختلف المراحل وأهمها التسجيل والاقتراع والفرز، وبالرغم من تتالي المواعيد الانتخابية، إذ سجلت نسب مشاركة تراوحت بين 60% و68%.
  • ثالثا: تمّ الحرص على دعم شفافية العملية الانتخابية وإخضاع مختلف المراحل إلى ملاحظة ومتابعة الملاحظين المحليين والدوليين وممثلي القائمات والمترشحين. فقد بلغ عدد ممثلي المترشحين في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية 59 ألف ممثّل، أما عدد الملاحظين فتجاوز 29 ألف ملاحظ.
  • رابعا: بالرغم من الوضع المحتقن في المنطقة والتهديدات الإرهابية التي استهدفت المسار الانتخابي، فقد جرت الانتخابات بشكلي سلمي وآمن، مما يعكس نجاحا في إدارة المخاطر.
  • خامسا: لقد كان التنظيم العملياتي واللوجستي ناجحا إذ تمكنت الهيئة عبر جهازها التنفيذي وبالتنسيق مع الجيش الوطني ووزارة الخارجية من تأمين توزيع المواد الانتخابية في جميع المراكز الانتخابية الموزعة على 46 دولة و33 دائرة انتخابية، واستطاعت خاصة في أقل من شهر تدارك بعض الهنات التي سجلت في الانتخابات التشريعية، وقد نوّه أغلب الملاحظين بقدرة الهيئة في التفاعل الناجع والسريع لتحسين الأداء في مختلف مراحل العملية الانتخابية.
  • سادسا: تميّزت الانتخابات التونسية بقبول واسع للنتائج، تمثل خاصة في العدد المحدود للطعون سواء بالنسبة للانتخابات التشريعية أو الرئاسية. وبالرغم من تعمد بعض الجهات إطلاق بعض الشائعات للتشكيك في نزاهة الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، فإنه لم يقع تقديم أي دليل على صحة الادعاءات، ولم يقع تقديم أي دعوى قضائية من قبل المترشحين للطعن في نتائج الدورة الثانية.

لكن هذا النجاح لا يمكن أن يخفي الصعوبات الكبرى التي يجب أن نستخلص منها الدروس حتى يكون التراكم بناء يمنع تكرار أخطاء الماضي. فقد كان لتقطّع تجربة الإدارة المستقلة للانتخابات تأثير سلبي على الاستعداد للانتخابات إذ جاء القانون عدد 23 لسنة 2012 ليحدث هيئة عليا مستقلة للانتخابات، معتبرا مهام الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المحدثة بالمرسوم عدد 27 لسنة 2011 المؤرخ في 18 أفريل 2011 منتهية بتاريخ 31 ديسمبر 2011. لكن لم يتم فعليا انتخاب أعضاء مجلس الهيئة إلا يوم 8 جانفي 2014، وهو ما خلف فترة انقطاع في عمل الهيئة تجاوزت السنتين، فضلا عن تضمن القانون المحدث للهيئة لأحكام لا تتلاءم وطبيعة عملها كإخضاعها إلى نظام الصفقات العمومية أو ضرورة إصدار نظامها الأساسي بمقتضى أمر من قبل الحكومة، بالإضافة إلى الإكراهات التشريعية في خصوص معالجة وضعية الأعوان الذين عملوا صلب الهيئة المحدثة بمقتضى المرسوم عدد 27 لسنة 2011 سالف الذكر.

ثم كان لتحديد تاريخ الانتخابات ضمن الأحكام الانتقالية للدستور، بشكل مرتجل وفي غياب خارطة طريق، بالإضافة إلى غياب إطار قانوني للانتخابات، مخاطرة كان يمكن أن تؤدي إلى البدء بخرق الدستور قبل دخول كافة أحكامه حيز التنفيذ، وهو ما جعل الهيئة تعمل تحت ضغط كبير، أدى إلى تحديد روزنامة صارمة، وإلى تقليص مجحف لهامش الحركة بالنسبة إلى إدارتها للانتخابات تجسّد خاصة في حصر فترة تسجيل الناخبين.

وكان للتجاذبات بين مختلف القوى السياسية تأثيرا سلبيا على اقتناع الشارع التونسي بالانتخابات لحل الاختلافات حول الشأن العام.

إن هذا التقرير الذي شمل الانتخابات التشريعية والرئاسية، يسلط الضوء أولا على العمل الذي قادته الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بمساهمة مجموعة من الشركاء، ويلخّص مختلف جزئيات المسار الانتخابي لسنة 2014، وهو يهدف من جانب أول إلى ضمان حق المواطن في معرفة كيفية إدارة جزء مهمّ من الشأن العام، ومن جانب ثان إلى تقييم المسار الانتخابي لاستخلاص الدروس ومراكمة الخبرة.

ومن المشروع أن نحلم اليوم بخبرة تونسية في المجال الانتخابي، يمكن أن تفيد وتستفيد من بقية التجارب، وتؤكد بأن العالم العربي ليس عصيا على الديمقراطية.

وقد شمل هذا التقرير الانتخابات التشريعية والرئاسية باعتبار ارتباطهما ضمن نفس المسار حسب الأحكام الانتقالية للدستور، والتداخل بينهما في عديد المراحل، مع إفراد باب بصفة استثنائية لتركيز الإدارة الانتخابية ذلك أن تنظيم مختلف هذه الاستحقاقات الانتخابية تزامن، بالنظر إلى حداثة انتخاب مجلس الهيئة وضيق الروزنامة الانتخابية، مع تركيز الإدارة الانتخابية. ونرجو أن يسمح التقرير بتوثيق مرحلة مهمة من تاريخنا، بغرض استخلاص الدروس اللازمة لترسيخ ديمقراطي حقيقي يبعدنا عن إمكانية الارتداد إلى نظام سياسي هجين، يحمل كل مقوّمات الاستبداد تحت عباءة الديمقراطية.

 

الملخّص التنفيذي

  1. السّياق العام لتأسيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

على إثر نجاح الثورة التونسية وهروب رئيس الجمهورية الأسبق، يوم 14 جانفي 2011، تولىّ رئيس مجلس النواب آنذاك رئاسة الجمهورية التونسية بصفة مؤقتة، وتمّ على التوالي خاصة إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي[1] ثم إصدار المرسوم عدد 14 لسنة 2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية[2] الذي تم بمقتضاه حلّ مجلس النواب ومجلس المستشارين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الدستوري والذي ربط في فصله الأول نهاية الفترة المؤقتة بانتخاب مجلس وطني تأسيسي انتخابا عاما حرا مباشرا وسريا، تكون مهمته الأساسية كتابة دستور جديد للجمهورية التونسية.

ولهذه الغاية، تمّ إحداث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات[3] في صيغتها الأولى التي تولّت تنظيم انتخابات المجلس الوطني الـتأسيسي وفقا لأحكام المرسوم [4] عدد 35 لسنة 2011. وقد تكونت الهيئة من ستة عشر عضوا[5] تمّ انتخابهم من قبل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، وتمّ انتخاب رئيس الهيئة ونائبه والكاتب العام بأغلبية أصوات أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وقد تولت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011 بالدوائر الانتخابية داخل الجمهورية، وأيام 20 و21 و22 أكتوبر 2011 بالدوائر الانتخابية خارج الجمهورية، والتي تمّ قبول نتائجها النهائية من كافة الأطراف المشاركة وشهدت أغلب تقارير الملاحظين على نجاح تنظيمها.

وكانت الصيغة الأولى للهيئة العليا المستقلة للانتخابات مؤقتة بحكم مقتضيات المرسوم عدد 27 لسنة 2011 حيث انتهت مهامها بانتهاء المهام المتعلقة بانتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي.

وفي بداية أشغال المجلس الوطني التأسيسي، تم التنصيص ضمن أحكام الفصل 25 من القانون التأسيسي عدد 6 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 والمتعلّق بالتنظيم المؤقّت للسلط العمومية على أنّه: "يسنّ المجلس الوطني التأسيسي قانونا يحدث بموجبه هيئة عمومية مستقلة دائمة تكلف بإدارة وتنظيم الانتخابات والاستفتاءات والإشراف عليها ويضبط ذات القانون تركيبة وتنظيم الهيئة المذكورة". وبناء على ذلك، صادق المجلس الوطني التأسيسي على القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المؤرخ في 20 ديسمبر 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات والذي نص على إحداث هيئة انتخابية دائمة وحدّد مهامها وهيكلتها المتمثلة في مجلس هيئة متكوّن من تسعة أعضاء وجهاز تنفيذي.

ولاختيار أعضائها، تمّ تكوين لجنة فرز خاصة بالمجلس الوطني التأسيسي لفرز الترشحات لعضوية مجلس الهيئة حيث تمّ قبول ملفات 36 مترشحا موزعة حسب الاختصاصات التي ضبطها الفصل 5 من القانون المحدث للهيئة، على أساس أربعة مترشحين عن كل اختصاص. وتمّت إحالة الملفات للجلسة العامة يومي 8 و9 جانفي 2014 لاختيار تسعة أعضاء يمثّلون مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالتصويت السري بأغلبية الثلثين ثم انتخاب رئيسها. وفي أول اجتماع لمجلس الهيئة المنتخب، يوم 16 جانفي 2014، تمّ انتخاب نائب رئيس الهيئة لتكون تركيبة مجلس الهيئة الحالي كما يلي:

السيد محمد شفيق صرصار   

رئيس

أستاذ جامعي

السيد مراد بن مولي

نائب رئيس

قاضي إداري

السيد نبيل بفون

عضو

عدل تنفيذ

السيدة لمياء زرقوني

عضو

قاضي عدلي

السيد رياض بوحوشي

عضو

مهندس في المنظومات والسلامة المعلوماتية

السيد كمال التوجاني

عضو

محام

السيدة خمائل فنيش

عضو

مختصة في الاتصال

السيدة فوزية الدريسي

عضو

عن التونسيين بالخارج

السيد أنور بن حسن

عضو

خبير في المالية العمومية

 

وقد بيّن القانون عدد 23 لسنة 2012 طبيعة الهيئة بأنها هيئة عمومية مستقلة ودائمة، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي. وتم بمقتضى دستور الجمهورية الذي تمت المصادقة عليه يوم 26 جانفي 2014 دسترة الهيئة لتكون إحدى الهيئات الدستوريّة المستقلة الخمس، وتم في هذا الخصوص التنصيص على أن "تتولى هيئة الانتخابات، وتسمى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته...".

بدأ مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الجديد أشغاله بعقد أولى جلساته يوم 16 جانفي 2014، حيث عمل على تركيز هياكل الهيئة وإتمام إجراءات إحالة المقرات والمعدات والوثائق من الهيئة السابقة، وقام باختيار مدير تنفيذي للهيئة في 25 فيفري 2014.

وبما أنّ دستور 2014 نصّ في النقطة الثالثة من الفصل 148 من الأحكام الانتقالية على أن تجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مدّة بدايتها أربعة أشهر من استكمال إرساء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات دون أن تتجاوز في كل الحالات موفىّ سنة 2014، فقد ساهم الاستعداد الذي أبداه مجلس الهيئة لتحمل المهام المتعلقة بتنظيم كافة المواعيد الانتخابية وفق الآجال المنصوص عليها في الدستور في دفع كافة الشركاء والفاعلين السياسيين لاحترام مقتضيات الدستور وإنجاز الانتخابات بمراحلها كاملة سنة 2014، بل سمح باختصار الآجال الدستورية، واحترام معايير إنجاز الاستحقاقات الانتخابية، وقبول النتائج من كل الأطراف، وبإرساء مؤسسات الحكم الدستورية التي وقع انتخابها في الآجال المطلوبة، حيث عقد مجلس نواب الشعب جلسته الافتتاحية يوم 2 ديسمبر 2014 وأدّى رئيس الجمهوريّة المنتخب اليمين الدستورية يوم 31 ديسمبر 2014.

  1. إقرار الروزنامة الانتخابية لسنة 2014

لئن أسند القانون المحدث للهيئة، وتحديدا في الفقرة الخامسة من الفصل الثالث منه، إلى الهيئة مهمة وضع روزنامة للانتخابات، إلا أنه خصّ في فصله 33 المجلس الوطني التأسيسي بتحديد مواعيد أول انتخابات رئاسية وتشريعية بعد المصادقة على الدستور. ولهذا الغرض، تولت الهيئة دراسة كافة الآجال المنصوص عليها بالقانون الانتخابي والآجال التي يتعين أخذها بعين الاعتبار لإنجاز مختلف مراحل المسار الانتخابي، على غرار آجال طباعة قائمات الناخبين وتوزيعها ومدد قبول الترشحات للانتخابات التشريعية أو الانتخابات الرئاسية والطعون المتعلقة بها، وإمكانية تزامن بعض الآجال مع الأعياد الدينية أو الوطنية.

وقد ساهمت مختلف المقترحات المتعلقة بالروزنامة، وبسط الجوانب الفنية والإجرائيّة المرتبطة بخيار إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة أو منفصلة، التي قدمتها الهيئة للمجلس الوطني التأسيسي وأطراف الحوار الوطني، في تحديد الخيارات الممكنة لتواريخ الاقتراع بالنسبة إلى الانتخابات التشريعية والدورة الأولى للانتخابات الرئاسية. وعلى إثر توصل مختلف الأطراف المشاركة في الحوار الوطني إلى التوافق على فصل الانتخابات التشريعية عن الانتخابات الرئاسية، اقترحت الهيئة روزنامة متكاملة ومفصّلة راعت فيها المدد الواردة في القانون الانتخابي والفترات المعقولة اللازمة لتنفيذ العمليات الانتخابية التي لم يُحدّد القانون آجالاً لها، وقد تمّ اعتمادها من قبل المجلس الوطني التأسيسي. ورغم أنّ المواعيد المقرّرة للانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة كانت منفصلة، إلا أنّ التداخل بينها كان واضحا باعتبار وجوب إجرائها قبل موفّى سنة 2014.

وقد مكّنت الروزنامة المُقترحة المجلس الوطني التأسيسي من تحديد مواعيد أول انتخابات تشريعية ورئاسية بعد المصادقة على الدستور[6]، ليصدر بعده مباشرة قرار جمهوري أوّل لدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب[7]، يوم 26 أكتوبر 2014 داخل الجمهورية وأيام 24 و25 و26 أكتوبر 2014 بالخارج، ثم قرار جمهوري ثان لدعوة الناخبين لانتخاب رئيس الجمهورية[8] يوم 23 نوفمبر 2014 داخل الجمهورية وأيام 21 و22 و23 نوفمبر 2014 بالخارج. وعلى هذا الأساس، ضبطت الهيئة روزنامة إنجاز الانتخابات[9].

وبالنظر إلى المتطلبات الهيكلية الواضحة لنشأة وبناء جهاز تنفيذي جديد للهيئة، فإن ضبط الروزنامة الانتخابية ودخولها حيّز التنفيذ عكس بوضوح مدى تشعّب مهمة الهيئة التي كانت مطالبة في الآن نفسه ببناء الجهاز التنفيذي للهيئة، من جهة، وإنجاز العملياّت الانتخابية التشريعية، من جهة ثانية، والانتخابات الرئاسية بدورتيها، من جهة ثالثة، وهو معطى موضوعي وتاريخي مهمّ يجب أخذه بعين الاعتبار في أيّ عمليّة تقييم للمسار الانتخابي لسنة 2014.

وباعتبار أن المدة الرئاسية والمدة النيابية متساويتان، فإنه من الأرجح أن يتكرر التداخل بين المسارين في الانتخابات المقبلة ممّا سيؤثر حتما على الروزنامة. كما أن إمكانية تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، على معنى الفصول 86 و89 و99 من الدستور، في مدة أدناها 45 يوما وأقصاها 90 يوما، أو انتخابات جزئية على معنى الفصل 34 من القانون الانتخابي في مدة لا تتجاوز 90 يوما، تتطلب تعميق النظر فيها مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة انتخابات 2014 التي فرضت على الهيئة روزنامة بآجال مضيقة. كما يجب مراجعة الآجال المختصرة التي أقرها الفصل 49 من القانون الانتخابي والتنصيص على أحكام خاصة بهذه الانتخابات فيما يتعلق بالفترة الانتخابية وبالأجل المخوّل لإصدار الأمر المتعلق بدعوة الناخبين للاقتراع.

  1. تركيز هياكل الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات

تتكون الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من مجلس الهيئة وجهاز تنفيذي وهيئات فرعية بلغ عددها ثلاثة وثلاثون.

وبهدف تركيز مختلف الهياكل الإدارية للهيئة بالإضافة إلى تنفيذ الروزنامة الانتخابية، تولّى مجلس الهيئة عقد 82 جلسة رسمية، في الفترة الممتدّة من 16 جانفي إلى 29 ديسمبر 2014، أي بمعدّل سبع جلسات رسميّة في الشهر. وقد تمّ خلالها خاصة إصدار القرارات التطبيقية للقانون المحدث للهيئة والقانون الانتخابي بهدف ضبط الإجراءات الإدارية والمالية اللازمة لتركيز مختلف وحدات الهيئة وطرق عملها وضبط الإجراءات المتعلقة بكل مرحلة من مراحل المسار الانتخابي. وقد أصدر مجلس الهيئة، طيلة المسار الانتخابي 2014، 36 قرارا، تم نشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وبالموقع الإلكتروني للهيئة، ومكّنت من تأطير كافة العمليات الانتخابية، كما أنها مثّلت إضافة قانونية مهمّة في المجال الانتخابي ورافدا للدراسات القانونية في هذا المجال. ويمكن القول إنّ قيام تركيبة مجلس الهيئة على التنوّع في التخصّصات والخبرات أتاح تفاعلا مهّما بين مهام الإشراف على المسار الانتخابي والتنسيق الفعلي للعمليات التنفيذيّة حسب اختصاصات الأعضاء، وهو ما أتاح إمكانيّة أكبر للتصويب والتقييم واتخاذ القرارات الترتيبيّة المناسبة وتعديلها في ضوء المستجدات الواقعية المصاحبة لتنفيذها.

وبالتوازي مع إعداد مختلف مراحل المسار الانتخابي، سعت الهيئة إلى تركيز جهاز تنفيذي يتولى مباشرة الشؤون الإدارية والمالية والفنيّة للهيئة تحت إشراف مجلسها. ويتركب الجهاز التنفيذي من مدير تنفيذي وإدارة مركزية وإدارات فرعية. وتتكون الإدارة المركزية من هياكل مركزية للمساندة مثل وحدة التخطيط والبرمجة والمتابعة ومكتب المدير التنفيذي، ومن هياكل مركزية تنفيذية متكّونة من وحدات ووحدات مركزية تنقسم بدورها إلى وحدات ووحدات فرعية. أمّا الإدارات الفرعيّة فتتولى تنفيذ المهام الموكولة للجهاز التنفيذي في النطاق الترابي المحدد لها جهويا.

وقد تم تركيز الإدارة المركزية بصفة تدريجيّة من خلال إحداث مكتب المدير التنفيذي و4 وحدات مركزية تنفيذية و14 وحدة تنفيذية ووحدة مساندة و20 وحدة فرعية تنفيذية و27 إدارة فرعية في الجهات، بالإضافة إلى تركيز ديوان مجلس الهيئة ووحدة الأرشيف والتوثيق ووحدة التدقيق والرقابة الداخليّة، وهي هياكل تابعة لمجلس الهيئة مباشرة. وقد مثّل تركيز وحدات فنيّة تقنيّة صلب الجهاز التنفيذي للهيئة مثل الوحدة المركزية للعمليات والوحدة المركزية للنظام المعلوماتي إضافة نوعيّة في المسار الانتخابي لسنة 2014 حيث أدّت هذه الوحدات أدوارا مهمة تتعلق بإنجاز عمليات تنفيذية انتخابية في المجال اللوجستي والاتصال برؤية تقنية فيها إضافات علميّة وفنيّة مهمّة. ومن مجموع الانتدابات في الإدارة المركزيّة البالغ عددها 268، بلغ عدد المهندسين والخبراء التقنيين والتقنيين الساميين وذوي الاختصاصات التقنية والتكنولوجية 50 إطارا.

ومثّل تركيز الإدارات الفرعية التابعة للجهاز التنفيذي للهيئة في الداخل إضافة مهمّة في العمل الميداني في الجهات بالنظر إلى حجم العمل الذي قامت به في تنفيذ العمليات الانتخابية والتسيير الإداري. ويمكن القول إنّ خيار الإدارات الفرعية الدائمة نجح في إضفاء النجاعة على تنفيذ العمليات من خلال استقطاب الخبرات الجهوية في المجال الانتخابي حيث انتدبت الهيئة، في بداية شهر جوان، 27 منسق إدارة فرعية و26 مكلفا بالشؤون الإدارية والمالية. وقد مثل هؤلاء النواة الصلبة للعمل الإداري وتنفيذ العمليات الانتخابية في الجهات.

وقد تولت الهيئة انتداب رؤساء وأعضاء الهيئات الفرعية من بين من تقدموا بملفات ترشحهم بناء على مقاييس محددة وطبقا للاختصاصات المطلوبة بالقانون. وقد ضبطت الهيئة صلاحياتهم وإجراءات تأجيرهم حسب ما هو محدّد بالفصل 06 من قرار الهيئة عدد 8 لسنة 2014 المتعلق بإحداث هيئات فرعية للانتخابات وضبط مشمولاتها وطرق سير عملها[10]. وقد بلغ عدد رؤساء وأعضاء الهيئات الفرعية داخل الجمهورية ثمانية وثمانون عضوا، بتاريخ 31 ديسمبر 2014، منهم اثنتا عشرة امرأة، ويتوزعون على مهن مختلفة على غرار المحاماة (23) والقضاء (17) والتدريس بالجامعات (13) والماليّة (12) والإعلامية (05) وعدول تنفيذ (15) وعدول إشهاد (06) والصحافة (01). وتجدر الإشارة إلى أنّ الانقطاعات عن ممارسة المهام بلغ عددها أربع حالات منها حالة بسبب الوفاة وحالتا استقالة وحالة إقالة واحدة.

وبالرغم من التداخل في الصلاحيات المسندة إلى الهيئات الفرعية للانتخابات والإدارات الفرعية الذي أثار في بعض الحالات تجاذبات محدودة تمّ تجاوزها، فإنّ المهام المتعلقة بالتواصل مع الشّركاء والبتّ في مطالب الناخبين والمترشحين في الجهات تقتضي مواصلة خيار انتداب وتركيز هيئات فرعيّة لها صلاحيات واضحة وتعمل وفق تفويض محدّد في الزمن. هذا، وقد لا تستوجب المهام الموكولة إلى أعضاء الهيئات الفرعيّة تفرّغهم مثلما اقتضاه القانون المحدث للهيئة.

وأما خارج الجمهورية، فقد تمّ تركيز 6 هيئات فرعيّة بلغ عدد أعضائها 21 عضوا، ولم يتسنّ للهيئة تركيز إدارات فرعية في الخارج على غرار ما هو عليه الحال في الداخل. وقد أدّت الهيئات الفرعية بالخارج بشكل متفاوت أدوارا مهمّة في تنفيذ العمليات الانتخابية وتسيير الشؤون الإدارية والمالية. كما استعانت الهيئة بمنسقين محليين بلغ عددهم في شهر نوفمبر 54 منسّقا عملوا ضمن مناطق اختصاص محدّدة جغرافيا.

وقد مثّل شرط السنّ، التي يجب ألا تقلّ عن 35 سنة لعضوية الهيئات الفرعية، عائقا أمام إدماج عديد الكفاءات الشابّة في العمل بالهيئات الفرعيّة داخل الجمهورية وخارجها. وقد يكون هذا الشرط، المنصوص عليه في القانون الأساسي المحدث للهيئة، منع الهيئة من الاستفادة من خدمات جيل الشباب في الخارج وفي الجهات الداخليّة على مستوى عضوية الهيئات الفرعية. ورغم ذلك، عملت الهيئة على تشريك عديد الكفاءات الشّابة على مستوى الإدارات الفرعية خاصة كمنسّقين أو إداريين أو أعوان تسجيل.

وقد شمل مجال تدخل الهيئة بالخارج 64 دائرة قنصلية في 46 دولة في العالم وتمّ التصرّف الإداري والمالي وإنجاز العمليات الانتخابية وفق ما تسمح به قوانين الدول المضيفة والأعراف الديبلوماسية. وقد كان التنسيق مع مصالح وزارة الخارجية ضروريا لإيصال الموارد المالية والمواد الانتخابية اللازمة إضافة إلى التعاون في مجال ضبط سجل الناخبين وتحديد مكاتب الاقتراع وغيرها.

وقد عملت الهيئة من جهة أخرى على بعث مركز النداء 1814 يوم 21 جوان 2014 ليكون همزة الوصل بين الهيئة وجميع المتدخلين في العملية الانتخابية. وقد اعتمد مركز النداء على خط داخلي 1814 ذي تعريفة منخفضة وخط دولي لتقريب خدماته من التونسيين المقيمين بالخارج، وتوجهت خدماته بصفة عامة لكل المهتمين بالشأن الانتخابي من ناخبين ومجتمع مدني وأحزاب سياسية ومترشحين وإعلاميين محلّيين وأجانب وأعوان الهيئة. وبلغ عدد المكالمات التي استجاب لها المركز 205035 مكالمة منها 11480 مكالمة وردت من الخارج، وتلقى مركز النداء في أيام الاقتراع فقط 37050 اتصالا منها حوالي 10262 اتصالا من الخارج. كما قام ببث بعض الومضات الصوتية التوعوية على الموزع الصوتي الخاص به خارج أوقات العمل.

وقامت الهيئة بتركيز وحدة فرعية للشبكات الاجتماعية وموقع الواب للتفاعل المستمر مع مختلف المتدخلين المعنيين بالمسار الانتخابي وخاصة الناخبين منهم. وقد تم استعمال شبكات التواصل الاجتماعي على غرار فايسبوك وتويتر بالإضافة إلى اليوتيوب، وتمّ استغلال هذه الوسائط في فترات الاقتراع لتنظيم حملات التوعية والإعلام الموجهة إلى النّاخبين. وقد بلغ في نهاية سنة 2014 عدد متابعي صفحة الهيئة على فايسبوك أكثر من 213000 متابع. ونظرا لأهمية التواصل عبر هذه الوسائط، خصوصا بالنسبة إلى فئات الشباب والتلاميذ والطلبة، فإنه من المستحسن العمل على مزيد العناية بهذا الجانب وتطوير أداء الهيئة فيه.

وإلى غاية 31 ديسمبر 2014، بلغ عدد الأعوان المباشرين بالهيئة 584 عونا منهم 202 امرأة. وقد بلغ عدد الأعوان في الإدارة المركزية 268 منتدبا منهم 108 من النساء و64 عونا من الأعوان الذين ساهموا في انتخابات 2011. وتمت الانتدابات بصفة تصاعدية متوازية مع وتيرة العمليات الانتخابية. وأما على مستوى الإدارات الفرعيّة، فقد شهد شهر أكتوبر 2014 أكبر عملية انتداب أعوان حيث تمّ انتداب 164 عونا إضافيا لتغطية حاجيات هذه الإدارات من الأعوان. وإلى تاريخ 31 ديسمبر 2014، بلغ عدد الأعوان بالإدارات الفرعية 316 عونا منهم 153 عونا سبق لهم المشاركة في عمل الهيئات الفرعية سنة 2011.

وتجدر الإشارة إلى أنه لم تتم، إلى تاريخ إعداد هذا التقرير، المصادقة على النظام الأساسي لأعوان الهيئة من قبل رئاسة الحكومة. وقد مثّلت صعوبات التوظيف والانتداب المرتبطة بغياب نظام أساسي لأعوان الهيئة مشكلا ضاغطا على مسار تنفيذ العمليّات الانتخابية، ولم يتسنّ دائما للهيئة اختيار الموظفين الأكفاء في الوقت المناسب، غير أنّه تمّ في أغلب الحالات مراعاة قواعد الانتداب المعمول بها في القطاع العمومي على غرار الإلحاق والتعاقد لفترة محددة وعقود إسداء الخدمات. وقد سعت الهيئة ما أمكن إلى توفير فرص متساوية لقبول الأعوان من فئات ومناطق واختصاصات مختلفة وفق قاعدة الكفاءة والحياد. وقد تمّ في هذا الصدد انتداب حوالي 66% من أعوان الهيئة على المستوى المركزي بمقتضى عقود محددة المدة.

ولم يتم حلّ الإشكاليات التي يطرحها الفصل 36 من القانون عدد23 لسنة 2012 والمتعلقة بكيفية تمتيع الأعوان الذين ساهموا في انتخابات 2011 بالأولوية في الانتداب، وذلك نتيجة عدة عوائق قانونية وإجرائية مما أدى إلى ترحيل الإشكاليات المرتبطة بتطبيق هذا الفصل إلى ما بعد الانتخابات، والتي ستطرح من جديد بمجرّد المصادقة على النظام الأساسي لأعوان الهيئة والشروع في عملية انتداب أعوان قارّين.

وبالنظر إلى تنوّع الاختصاصات لمختلف إطارات وأعوان الهيئة، فإن الهيئة بإمكانها التطلع، من ناحية، إلى تركيز وتطوير جهاز تنفيذي نوعي متكامل وله إشعاع إقليمي. ويتطلب هذا الأمر نظاما أساسيا متطورا يسمح بالترقي الوظيفي وتنمية الكفاءات والخبرات وباستيعاب الكفاءات العلمية ذات القيمة المضافة، وفيه من المرونة ما يسمح بتطويع نسق الانتدابات بما يتناسب مع وتيرة العمليات الانتخابية صعودا ونزولا طيلة الدورة الانتخابية، وبما يؤدّي إلى تحقّق التكليف القانوني للهيئة القائم على إنجاز عمليات محددّة، أهدافها مضبوطة زمنيّا، ومطلوب أن تنجز في آجال مضبوطة وبمعايير دقيقة وعالية. كما يتعيّن، من ناحية أخرى، التفكير في وضع أساس علاقة نموذجية بين مجلس الهيئة والجهاز التنفيذي تسمح بتدقيق الصلاحيات المسندة إلى كل جهة ومراقبة عمل الموظفين داخل الهيئة وتحفيزهم جميعا على قدر من المساواة واحترام مقتضيات التراتبية الإدارية وقواعد التصرف المعمول بها.

وعموما، يمكن القول إنّ الهيئة قد وضعت لبنات مهمة في بناء جهاز تنفيذي فاعل وقادر على أداء مهامه، وأن هذا الأخير قد اكتسب خبرات ومهارات جيدة بعد إنجاز ثلاثة مواعيد انتخابيّة متتالية مكّنت من تطوير الكفاءات الفردية لمختلف الإطارات والأعوان الذين عملوا في مختلف الوحدات التنفيذيّة، غير أنّ نسق التخطيط وتنسيق عمل الوحدات ومتابعة المؤشرات داخل الجهاز التنفيذي لم يكن مواكبا لنسق العمل الميداني ولم يتسنّ للهيئة وضع استراتيجيات علميّة لتنمية الكفاءة الجماعية لهذا الجهاز وزيادة نجاعته ومهنيّته. وتمثّل فترة ما بعد الانتخابات فرصة حقيقية للنظر في تطوير الجهاز التنفيذي للهيئة وبناء قدرتها التنفيذيّة الدائمة.

  1. تسجيل الناخبين

مثّل إعداد سجل يتضمّن الأشخاص المؤهلين للتصويت في الانتخابات والاستفتاءات، طبقا للشروط والإجراءات التي يضبطها الدستور والقانون الانتخابي، الهدف من عمليّة التسجيل. وخلافا لسنة 2011، فقد أقرّ القانون الانتخابي مبدأ التسجيل الإرادي من قبل الأشخاص الراغبين في المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات وضبط الشروط الواجب توفرها فيهم، وترك للهيئة مهمة تنظيم عملية تسجيل الناخبين وضبط إجراءاتها.

وبناء على ذلك، تولت الهيئة، بمقتضى السلطة الترتيبية المخوّلة لها، إصدار قرار ترتيبي يتعلق بقواعد وإجراءات تسجيل الناخبين للانتخابات والاستفتاء[11]، عكس رؤية الهيئة المبنية على التوازن بين مبدأي الدقة والقانونية من جهة، ومبدأي الشمولية والإتاحة من جهة أخرى، وذلك بتنويع طرق التسجيل وإتاحتها للمواطنين جميعا من خلال التسجيل المباشر في المكاتب الثابتة والمتنقلة والتسجيل عن بعد وفق ضوابط وضمانات تقنية تسمح بالتأكد من هويات المستعملين، وكذلك بإتاحة إمكانية التسجيل لفائدة الغير شرط التثبت من صلة القرابة.

وفي إطار المسؤولية المحمولة عليها فيما يتعلق بمسك السجل الانتخابي والإشراف على تحيينه، قامت الهيئة باستلام قاعدة بيانات الناخبين المسجلين إراديا سنة 2011 من المركز الوطني للإعلامية وتفرّدت باستغلاله وإدخال التحيينات اللازمة عليها. وقد أبرمت الهيئة لهذا الغرض اتفاقيات ثلاثية تجمع بين الهيئة، من جهة، والمركز الوطني للإعلامية، من جهة ثانية، ووزارة الدفاع الوطني أو وزارة الداخلية أو وزارة العدل أو رئاسة الجمهورية، من جهة أخرى، وذلك قصد توفير المعطيات المطلوبة حسب وتيرة محددة لتحيين قاعدة بيانات الناخبين. وبالرغم من عمل المصالح الحكومية والإدارية المعنية على بذل مجهودات إضافية من أجل تحيين البيانات الراجعة إليها وتدقيقها، إلا أنّه يمكن القول إنّ درجة دقّة البيانات المستلمة لم تكن كافية لمساعدة الهيئة على إنجاز سجلّ دقيق وشامل، وذلك لعدم مبادرة مختلف الجهات العمومية بتحيين قواعد البيانات الممسوكة من قبلها في الإبّان، وهو ما انعكس سلبا على درجة دقّة البيانات التي تم اعتمادها عند انطلاق عملية التسجيل.

وقد قامت الهيئة، بناء على المعطيات المحيّنة الواردة عليها والمتعلقة بالناخبين المتوفين، والعسكريين، والأعوان التابعين لقوات الأمن الوطني وسلك أمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية، والمحجور عليهم لجنون مطبق والمحرومين من الاقتراع بمقتضى عقوبة تكميلية، بشطب 137948ناخبا أي بما نسبته 2.8% من مجموع الناخبين المرسمين إراديا سنة 2011، وذلك قبل انطلاق حملة التسجيل في 23 جوان 2014. وتظلّ هذه النسبة محدودة خاصة أن سجلّ الناخبين بقي جامدا طيلة فترة ناهزت الثلاث سنوات، ويمكن تفسيرها بأن الهياكل العمومية المعنية لم تتولّ التحيين الفوري لعدد من قواعد البيانات العمومية وثيقة الصلة بالسجل الانتخابي، على غرار منظومة الحالة المدنية والمنظومات المتعلقة بالتصرّف في الأعوان المنتمية إلى الأسلاك النشيطة.

وفي إطار المقاربة التشاركية التي اتبعتها الهيئة منذ البداية، لإنجاز مختلف مراحل المسار الانتخابي، تمّ التنسيق مع المجتمع المدني على المستوى المركزي وعلى مستوى الإدارات والهيئات الفرعية من أجل تنظيم حملات التوعية خلال عملية التسجيل، وذلك للوصول إلى كافة فئات المجتمع.

وقد أتاحت الهيئة لجميع المواطنين، مع انطلاق حملة التسجيل، خدمة البيانات غير المهيكلة USSD عبر الهاتف الجوال، بالتعاون مع مسدي الخدمات العاملين في مجال الاتصالات، وذلك للتثبت من التسجيل أو إتمام عملية التسجيل أو الاطلاع على مراكز الاقتراع. وقد شهدت هذه الخدمة إقبالا كثيفا من المستخدمين بلغ إلى حد يوم 22 ديسمبر 2014 حوالي 21643837 اتصالا، منها 5848996 اتصالا في الأسبوع الذي تمّ خلاله الاقتراع في الانتخابات التشريعية، وهو العدد الأكبر المسجل في أسبوع واحد منذ بداية العمل بهذه الخدمة. وقد أضافت الهيئة أعدادا هامة من المكاتب المتنقلة لتتيح مجالا حيويا مهمّا لمرونة عملية التسجيل حسب المتطلبات اليومية ونسق إقبال المواطنين على التسجيل، وذلك بالرغم من أنّ هذا النوع من المكاتب يتطلب دعما لوجستيا كبيرا وخططا أمنيّة للحماية والتنسيق وفرقا للتوعية.

وقد أدت جهود الهيئة في هذا المجال إلى دعم نسق التسجيل الذي شهد تطوّرا مطّردا حيث ارتفع المعدل اليومي للمسجلين من حوالي ألفي ناخب مسجل خلال الأسبوع الأول إلى أكثر من 20 ألف ناخب مسجل في اليوم خلال الأسبوعين الثاني والثّالث لحملة التسجيل، وقد بلغ الإقبال على التسجيل ذروته يوم 22 جويلية 2014 حيث تم تسجيل 91980 ناخبا جديدا.

وتوزعت عملية التسجيل على فترتين، امتدت أولاهما من 23 جوان 2014 إلى 29 جويلية 2014، لتتواصل في فترة ثانية من 5 أوت 2014 إلى 26 أوت 2014. وقد تمّ تسجيل 759424 ناخبا في الفترة الأولى للتسجيل، وهو ما يمثّل 76.45% من العدد الإجمالي للمسجلين سنة 2014، في حين تمّ تسجيل 233869 ناخبا جديدا بما نسبته 23.54%. وقد ساهم استعمال التكنولوجيات الحديثة في التسجيل وخاصة خدمة البيانات غير المهيكلة USSD في تسجيل الجزء الأكبر من الناخبين المسجلين سنة 2014، حيث بلغ عددهم 570248 ناخبا، أي بنسبة 57.41%، في حين تم تسجيل 382212 ناخبا بواسطة منظومة التسجيل، وهو ما يمثل 38.48%. وفي المقابل، لم يتجاوز عدد الناخبين المسجلين عبر الواب 40833 ناخبا، وهو ما يقدّر بأكثر من 39% من مجموع التونسيين المقيمين بالخارج الذين قاموا بالتسجيل سنة 2014، علما أنّ هذه الآلية وقع إتاحتها للتسجيل بمراكز الاقتراع في الخارج فقط.

وقد كانت الهيئة تهدف من هذا التنويع التكنولوجي إلى إتاحة عملية التسجيل للجميع وبأيسر السبل لتكفل حق كافة الناخبين في الترسيم بسجل الناخبين ومن ثمّة حقهم في الاقتراع. ويمكن في هذا الإطار القول إنّ التسجيل عن بعد قد يصبح رهانا حقيقيا متاحا لتفادي الحملات والعمليات الميدانية الكبرى والمكلفة لتسجيل الناخبين. ويمكن تدعيمه بالحملات الموجهة والمركزة على فئات محدّدة من الناخبين. ويتعيّن على الهيئة في الآن نفسه أن تأخذ بعين الاعتبار متطلبات الدقة والشفافية والمحافظة على سلامة المعلومات وحماية المعطيات الشخصية عند استعمالها لهذه التقنيات.

وقد اعترضت عملية التسجيل في الخارج عبر الواب من خلال منظومة "التوانسة Touenssa " عدة صعوبات، وذلك بسبب عدم تحيين قاعدة بيانات جوازات السفر المستخرجة لدى البعثات القنصلية والديبلوماسية، وعدم امتلاك جانب كبير من الجيل الثاني للهجرة لبطاقات التعريف الوطنية بالإضافة إلى الصعوبات الفنية المتصلة بمحدودية استعمال محركات البحث للولوج إلى المنظومة والمعتمدة من قبل الوكالة التونسية للسلامة المعلوماتية. كما عرفت عملية التسجيل بالخارج تأخيرا زمنيا عن نظيرتها في الداخل وشهدت صعوبات أخرى مرتبطة باستخدام عدد جواز السفر كمعرف شخصي في منظومة التسجيل بالإضافة إلى عدد بطاقة التعريف الوطنية، في حين تبيّن فيما بعد أنه من الممكن ألا يكون هناك ارتباط بين العددين، وذلك خاصة بالنسبة إلى الجوازات المستخرجة مباشرة من القنصليات والتي لم يتم إدراجها في الإبان صلب المنظومة المتعلقة بالتصرف في جوازات السفر، مما استحال معه على عدد هام من التونسيين بالخارج إتمام عملية التسجيل سواء بالمكاتب القارة للتسجيل أو عبر الأنترنات. كما أدّى استعمال هذين المعرّفين غير المرتبطين في عديد الحالات إلى معاينة عدد من التسجيلات المتكررة. ولتفادي تلك الصعوبات بادرت بالهيئة بعقد سلسلة اجتماعات عاجلة مع مختلف الهياكل العمومية المعنية وإرسال فرق فنية تضم إطارات من وزارة الداخلية إلى عدد من المراكز والبعثات القنصلية المسدية لعدد كبير من جوازات السفر قصد جلب البيانات المتوفرة لديها، من جهة، والقيام بالإصلاحات والتدخلات الفنية لتدارك الإخلالات التي حالت دون إيصال البيانات المتوفرة لديها، من جهة أخرى، وهو ما مكّن من إضافة أكثر من 80 ألف جواز سفر لقاعدة بيانات جوازات السفر التابعة لوزارة الداخلية في هامش زمني لم يتجاوز ثلاثة أسابيع. لذلك، يتجه تحيين ربط المعطيات الرقمية المختلفة في الوثائق الرسمية للمواطنين بعدد بطاقة التعريف الوطنية واشتراط استخراج بطاقة تعريف وطنية لإجراء كل المعاملات القنصلية حتى يتسنى بناء سجل الناخبين في الداخل والخارج على أساس معرّف واحد ووحيد هو عدد بطاقة التعريف الوطنية في انتظار إتمام وتركيز منظومة المعرّف الوطني الوحيد للمواطن.

وقد عملت الهيئة على تدارك النقص في عمليات التسجيل في الفترة الأولى من خلال فتح فترة ثانية للتسجيل من 05 إلى 26 أوت 2014 كانت موجهة لعموم الناخبين غير المسجلين، غير أنه تم تركيز الجهود على فئات معينة على غرار فئة التونسيين المقيمين بالخارج بمناسبة عودتهم أو مغادرتهم لأرض الوطن خاصة وأن فترات التسجيل تزامنت مع العطلة الصيفية. كما توجّهت حملة التسجيل في الفترة الثانية لحث الفئات الشبابية والناخبين المسجلين آليا سنة 2011 ذلك أنّه لا يسمح القانون بإدراجهم في السجلّ الانتخابي لسنة 2014 إلا بطريقة التسجيل الإرادي.

وبانتهاء حملتي التسجيل الأولى والثانية وفترة التصحيح، التي تمّ فتحها في الفترة الممتدة من 2 إلى 8 نوفمبر 2014، أصبح العدد الإجمالي للمسجلين 5306324 ناخبا بحساب 4926084 ناخبا مسجلا بالدوائر الانتخابية داخل الجمهورية و380240 ناخبا مسجلا بالدوائر الانتخابية بالخارج. وبلغ عدد الإناث المسجلات 2446393 ناخبة أي بنسبة تقدر بـ46.10% من مجموع الناخبين المسجلين، فيما بلغ عدد الشباب المسجلين من الفئة العمرية 18 إلى 35 سنة 1914850 أي بنسبة تقدّر بـ36.09%.

ومن ناحية أخرى، بلغت نسبة تغيير مراكز الاقتراع 18% من مجموع عمليات التحيين التي صاحبت عملية التسجيل، وقد تمّت أغلبها بواسطة منظومة التسجيل المركّزة بمكاتب التسجيل الثابتة والمتنقلة، بنسبة تقدر بـ83% من مجموع عمليات تغيير مراكز الاقتراع. وفي المقابل، بلغت نسبة تغيير مراكز الاقتراع من خلال خدمة البيانات غير المهيكلة 1.37% و15.59% عن طريق الواب. وقد تركّزت أغلب عمليات تغيير مراكز الاقتراع في اتجاه المدن الكبرى والمناطق الشرقية الساحليّة، وتم تسجيل أكبر عدد منها في اتجاه دوائر تونس الكبرى.

وفي هذا الإطار، أدّى عدم تقييد عملية التسجيل أو تغيير مركز الاقتراع بشرط الإقامة إلى اختلال التوازن في مستوى عدد المسجلين في مقابل المقعد الواحد بمجلس نواب الشعب، وهو ما انعكس مباشرة على التوازن في الحاصل الانتخابي في مختلف الدوائر، وأخلّ بالقاعدة الأصلية المتعلقة بتوزيع المقاعد بناء على عدد السكان في كل دائرة. كما يمكن القول إنّه باعتبار أن حركة الناخبين داخل الجمهورية لم ترتبط بأي شرط أو قاعدة فإنه يجب النظر في صعوبات توزيع الناخبين على الدوائر البلدية أو الجهوية على أساس السجل الحالي للناخبين. ونظرا إلى التوجهات الجديدة التي أقرها الدستور بخصوص تنظيم السلطة المحلية وانتخاب الهياكل المشرفة عليها، فإنه من المتوقع أن يتولى مجلس نواب الشعب إعداد نصوص قانونية جديدة تتولى خاصة تنظيم الانتخابات المحلية مع إعادة النظر في الشروط الواجب توفرها في الناخب. لذلك، يتعين على الهيئة العمل في الفترة القادمة على إعداد تصور جديد لتسجيل الناخبين في الانتخابات المحلية يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الرابطة الفعلية بين الناخب والهيكل الممثل للجماعة المحلية المزمع انتخابه.

  1. قبول الترشّحات والبتّ فيها

نظّمت الهيئة مسألة الترشح للانتخابات التشريعية بمقتضى القرار الترتيبي[12] عدد 16 لسنة 2014 وقد تم التنصيص صلبه على إجراءات تقديم الترشحات وحالات قبول الترشح أو رفضه، وحالات تصحيح أو استكمال مطالب الترشح. كما أصدرت الهيئة القرار عدد 18 لسنة 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات الرئاسية[13].

وقد أنجزت الهيئة خلال هذه المرحلة من المسار الانتخابي منظومة إعلامية للتصرف في الترشحات للانتخابات التشريعية 2014 يتم بمقتضاها إدراج البيانات المضمنة بمطلب الترشح والتأكد من صدقيتها ومدى استيفاء المترشحين لمختلف الشروط لتفضي إلى إصدار وصل ذكي يتضمن الوثائق الناقصة والشروط غير المستوفاة حتى يتم استكمالها في الآجال. كما تمّ إعداد منظومة ثانية للتثبت في التزكيات في الانتخابات الرئاسية من حيث عددها وتوزيعها بين الدوائر الانتخابية وصحة المعطيات الخاصة بالمزكين.

وفي ظل غياب عدد من البيانات المتصلة بشروط الترشح لدى عدد من الهياكل العمومية، بادرت الهيئة بإعداد قواعد بيانات للتثبت من صحة الترشحين على غرار قائمة المجنسين في السنوات العشر الأخيرة التي تم ضبطها بالتعاون مع وزارة العدل وحقوق الإنسان وبالرجوع إلى أوامر التجنيس الصادرة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، ثمّ قامت الهيئة بالبحث عن أعداد بطاقات تعريفهم الوطنية بالتعاون مع وزارة الداخلية والمركز الوطني للإعلامية.

وفي ذات السياق تولت الهيئة إعداد قائمة المترشحين الذين شاركوا في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 المطالبين بإرجاع القسط الثاني من منحة التمويل العمومي والذين لم يتحصلوا على 3% على الأقل من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة الانتخابية، وقد تمّ في مرحلة أولى إدخال المعطيات المتعلقة بالمترشحين لانتخابات 2011 ضمن منظومة قبول الترشحات، ثم في مرحلة ثانية تم التنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية لتوفير كشف في القائمات المطالبة بإرجاع القسط الثاني من منحة التمويل العمومي لسنة 2011، وأخيرا تمكين كافة المترشحين من كشوفات في القائمات التي ترشحوا عنها سنة 2011 قصد خلاص ما تخلّد بذمتهم لفائدة الدولة وقبل انقضاء آجال تقديم الترشحات.

ولم تتمكن الهيئة من الحصول على قائمة الأشخاص المحكوم عليهم بالتفليس على معنى الفصل 456 من المجلة التجارية من وزارة العدل وحقوق الإنسان ويتعيّن بالتالي تفادي هذا النقص في الانتخابات القادمة.

وقد عقدت الهيئة يوم 12 أوت 2014 لقاء مع ممثّلي الأحزاب السياسيّة قصد توضيح شروط وإجراءات الترشح سواء للانتخابات التشريعية أو الرّئاسيّة. كما سعت إلى الإجابة على استفسارات كافة الأطراف المهتمة بالانتخابات من خلال مركز النداء 1814 التابع لها أو الإجابة على المراسلات الواردة عليها. وشهد المقر المركزي والمقرات الفرعية زيارات مباشرة من العديد من ممثّلي الأحزاب المترشّحة والمترشحين ورؤساء القائمات والمنسّقين الجهويين للأحزاب وممثّلي القائمات المستقلّة طلبا لتوضيح شروط وإجراءات التّرشّح. وتفاعلا مع طلبات الأحزاب السياسية وباقي الشركاء، تمّ إدخال تنقيح على القرار عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات التشريعية في 13 أوت 2014 لإعفاء القائمات المترشحة لأول انتخابات تشريعية بعد المصادقة على الدستور من تقديم نظير من بطاقة السوابق العدلية الخاصة بكل عضو من أعضائها. ويأتي هذا التنقيح في إطار استجابة الهيئة لمطالب الأحزاب بحذف هذه الوثيقة نظرا لتعذّر حصول عديد الراغبين في الترشح للانتخابات التشريعية عليها في آجال تقديم الترشحات، على أنه يبقى خاصا بالانتخابات التشريعية لسنة 2014 دون غيرها باعتبار أن هذه الوثيقة ضرورية للتأكد من عدم دخول المترشحين تحت أي صورة من صور الحرمان المنصوص عليها قانونا.

وتمّ خلال الفترة الممتدة من 23 جويلية إلى 12 أوت 2014 إعداد دليل إجراءات الترشح للانتخابات التشريعية لسنة 2014 تحت إشراف مجلس الهيئة. ويعتبر هذا الدليل بمثابة الوثيقة المرجعية لتكوين أعضاء الهيئات الفرعية وأعوان الهيئة وهو مرجع موجه لمختلف المتدخلين في هذه العملية من مترشحين وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني وملاحظين دوليين ومحليين وإعلاميين. وقد قامت الهيئة بطباعة وتوزيع 5000 نسخة منه، كما تم وضع نسخة الكترونية على الموقع الالكتروني للهيئة. وقد حمل الدليل بعض الإضافات البيداغوجية على غرار تصميم خوارزميات تلخص عملية التثبت من توفّر شروط الترشح للقائمة ولأعضائها والتثبت من التنصيصات الوجوبية في المطلب والوثائق المطلوبة وهيكلة النظر والبت في مطالب الترشح. وقد لقي الدليل ترحيبا واسعا من أعضاء الهيئات الفرعية والشركاء والخبراء وساعد في فهم مختلف مفاصل المنظومة المعلوماتية للترشحات. وقامت الهيئة، من جهة أخرى، بتنظيم دورتين تكوينيتين وُجهت الأولى لأعضاء الهيئات الفرعية في الداخل يومي 16 و17 أوت 2014 بتونس العاصمة والثانية لأعضاء الهيئات الفرعية في الخارج يومي 19 و20 أوت 2014 بفرنسا.

ويمكن القول إنّ تكوين أعضاء الهيئات الفرعية وإصدار دليل مبسط للإجراءات ساعدا الهيئة في تخطي مرحلة قبول الترشحات بسلام وبمهنية رغم تعقّد إجراءات التصحيح والبتّ. كما مكنت المنظومة الإعلامية من تجنب عديد الإشكالات وساعدت في تيسير عملية قبول الترشحات والتخفيف من الضغط على الهيئات الفرعية. ومن الناحية الاستراتيجية، يتجه النظر في كيفية استغلال هذه المنظومات لتيسير عمل الهيئة على المستوى المركزي وتوحيد الإجراءات وتحسين المهنية لدى جميع أعوان وإطارات الهيئة. ومن الناحية المتعلقة بالحوكمة والتسيير، يمكن التأكيد أن الهيئة بدأت من خلال هذه المرحلة بالذات في رسم علاقة جديدة مع الهيئات الفرعية متماشية مع روح القانون الأساسي للهيئة والقانون الانتخابي وقرار التكليف الذي صدر لرؤساء وأعضاء الهيئات الفرعية ونجحت الهيئة إلى حد بعيد في تخطي رواسب الشوائب في العلاقة بين الهيئات الفرعية والهيئة المركزية في 2011.

وقد تمّ بمناسبة الانتخابات التشريعية إيداع 1504 مطلب ترشح لدى الهيئات الفرعية وقد ورد أكثر من 75 % منها في اليوم الأخير، وهو ما أرهق الأعوان وأعضاء الهيئات الفرعية وأربك تنظيم العملية.

وفي إطار احترام مبدإ إتاحة الترشح للجميع وضمانا لحق جميع المترشحين سواء داخل البلاد أو خارجها وخاصة منهم الراجعين بالنظر إلى هيئات فرعية ذات مرجع نظر يغطي عددا هاما من البلدان، تولت الهيئة فتح مكتب إضافي في المقرّ المركزي للهيئة لقبول ترشحات القائمات عن كل من دائرة العالم العربي وباقي دول العالم ودائرة الأمريكيتين وباقي الدول الأوروبية نظرا لتباعد المسافات بين الدول التي تشملها الدائرتان عن مقرّي الهيئتين الفرعيتين في مونريال وأبو ظبي إضافة إلى صعوبة الحصول على تأشيرة الدخول لدولة الإمارات وكندا.

ومكّنت إجراءات النظر والبت والتصحيح التي أقرتها الهيئة من مرونة في التعامل مع المترشحين وإتاحة الترشح كحق دستوري لجميع المواطنين رغم ما أضافته من أعباء لعمل الهيئة. وقد توسعت الهيئة في الاستفادة من القائمات التكميليّة التي وضعها المشرّع في الأساس لتعويض المترشحين المنسحبين حيث أتاحتها كإمكانية إضافية لتعويض من لا تتوفّر فيهم شروط الترشح وبالتالي قبول أكبر عدد ممكن من القائمات.

وقد تأسست أغلب قرارات رفض ترشّح القائمات على سببين أساسيين هما عدم توفر صفة الناخب للمترشحين المسجلين في الفترة الثانية للتسجيل (من 05 إلى و26 أوت 2014)، وعدم استيفاء شرط الإمضاء على مطلب الترشح حضوريا أو معرّفا به بالنسبة إلى العضو الذي لا يحضر عند تقديم الترشح. أما باقي أسباب الرفض فقد تراوحت بين الإخلال على مستوى التصريح الضريبي أو عدم احترام مبدإ التناصف وقاعدة التناوب في القائمة الأصلية أو التكميليّة. وقد رفعت القائمات المعنية دعواها لدى المحاكم الابتدائية المختصة ترابيا وبلغ عدد القضايا 135 قضية، وتمّ تأييد قرارات الهيئة بخصوص 98 قضية فيما تمّ رفض قراراتها في 37 قضية. وتولت الهيئة وأغلب القائمات المعنية استئناف الأحكام الابتدائية الصادرة ضدّها أمام الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية والتي آلت أحكامها إلى إدراج 15 قائمة وشطب قائمتين.

وتجدر الإشارة هنا إلى تباين الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية أو عن الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الإدارية في أحقية المسجلين خلال الفترة الثانية للتسجيل في اكتساب صفة الناخب قبل ضبط قائمة الناخبين والبت في الاعتراضات والطعون المتعلقة بها. ففي حين اعتبرت إحدى الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الإدارية أن صفة الناخب تنتفي في جانب أعضاء القائمات الذين قاموا بطلب التسجيل خلال الفترة الثانية للتسجيل، اعتبرت دوائر أخرى أن تسجيل المترشح بالفترة الثانية للتسجيل يكسبه صفة الناخب بقطع النظر عن استنفاذ الاعتراضات والطعون. وتدعو الهيئة لبحث آلية قانونية لتوحيد فقه قضاء الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية في الطعون المتعلقة بالترشحات للانتخابات التشريعية وغيرها لتفادي التضارب في أحكامها بوصفها نهائية ولارتباط ذلك بمبدإ المساواة بين المترشحين.

وبانتهاء فترة الطعون لدى المحاكم، أصبح العدد النهائي للقائمات المقبولة رسميا داخل الجمهورية 1230 قائمة انسحبت منها قائمة مستقلة بالدائرة الانتخابية زغوان ليصبح عددها الجملي 1229 قائمة، فيما تم قبول 97 قائمة بصفة نهائية مترشحة عن الدوائر الانتخابية خارج الجمهورية. وقد بلغ عدد المترشحين على القائمات الأصلية 9549 مترشحا.

وقد ساهم تطبيق مبدإ التناصف وقاعدة التناوب في تواجد أكثر من 4495 امرأة من مجموع 9549 مترشح، على القائمات الأصلية المترشحة المقبولة نهائيا وبعد انقضاء أجل سحب الترشحات، أي حوالي 48%. وترأست المرأة 126 قائمة مترشحة في الدوائر الانتخابية داخل الجمهورية أي بنسبة تقدّر بـ10.25%، في حين ترأست المرأة 18 قائمة بالدوائر الانتخابية خارج الجمهورية بما نسبته 18.55%. كما ضمّت القائمات المترشحة النهائية أكثر من 4337 مترشحا لا يتعدّى سنّه 35 سنة أي بنسبة تقدّر بـ45.41% من مجموع المترشحين للانتخابات التشريعية.

أمّا بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية، فقد تولّت الهيئة قبول الترشحات مباشرة بمقرها المركزي، وقد تم تركيز مكتب لقبول مطالب الترشح للانتخابات الرئاسية في الفترة الممتدة من 8 إلى 22 سبتمبر 2014. هذا وتم تسجيل تقديم 70 مطلب ترشح من بينها 5 مطالب مقدمة من قبل مترشحات نساء. وبالنسبة إلى انتماءات المترشحين فقد تقدم 30 منهم عن أحزاب و9 عن ائتلافات فيما قدّم 34 مترشحا مستقلا ترشحاتهم. وقد ورد على الهيئة 27 مطلب ترشح خلال الفترة الممتدة من اليوم الأول إلى غاية اليوم قبل الأخير من فتح باب الترشحات و43 مطلب ترشح خلال اليوم الأخير. أما فيما يتعلق بالتزكيات، فقد قدّم 56 مترشحا فقط تزكيات من بينهم 42 مترشحا قدموا تزكيات من ناخبين، و11 مترشحا تمّت تزكيتهم من قبل عشرة أعضاء على الأقل من المجلس الوطني التأسيسي، فيما تقدّم 3 مترشحون بتزكيات من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي ومن الناخبين في نفس الوقت.

وقد تضمن القانون الانتخابي نوعا من التضارب بين الفصلين 41 و45 بخصوص الآجال الممنوحة لمجلس الهيئة للبت بصفة نهائية في الترشحات للانتخابات الرئاسية. ففي حين أن الفقرة الأولى من الفصل 45 تنص على "أجل أقصاه أربعة أيام من تاريخ ختم أجل الترشحات" للبت في مطالب الترشح وضبط قائمة المترشحين المقبولين، فإن الفقرة الأخيرة من الفصل 41 نصت على أن "تتولى الهيئة، خلال الأجل المنصوص عليه بالفصل 45 من هذا القانون، إعلام المترشحين الذين تبيّن تزكيتهم من نفس الناخب أو من شخص لا تتوفر فيه صفة الناخب لتعويضه في أجل 48 ساعة من تاريخ الإعلام، وإلا ترفض مطالب ترشحهم". ويطرح هذا الأمر مشكلة تتعلق بالمترشحين الذين تم النظر في مطالب ترشحهم في آخر يوم من أجل البت في الترشحات. لذا يتعيّن التفكير في تعديل الفصول المعنية بما يسمح بتناسق القانون الانتخابي ويساعد على احترامه وتنفيذه ويمكن أن تترك هذه المسألة وغيرها من المسائل التي لها علاقة بتفاصيل تنفيذية إلى الهيئة لتنظيمها بمقتضى السلطة الترتيبية المخولة لها في الدستور.

وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة قررت رفض الترشحات "غير الجدية" دون تنبيه، وذلك لعدم تقديم وصل تأمين الضمان المالي لدى الخزينة العامة للجمهورية التونسية أو عدم تقديم العدد الأدنى من التزكيات باعتبارها من الشروط الأصلية التي تنمّ عن جدية الترشح، وقد أيّدت المحكمة الإدارية التوجه الذي اتخذته الهيئة.

وأفضى النظر في الترشحات الرئاسية من قبل مجلس الهيئة إلى قبول 27 مطلب ترشّح ومطلبي انسحاب من مترشحين اثنين ورفض 41 مطلب ترشّح قدّم منهم ثلاثة وعشرون مترشحا طعونا لدى المحكمة الإدارية.

وتجدر الإشارة أن مسألة التزكيات من الناخبين أثارت أسئلة مهمة حول جدواها ومدى نجاعتها خاصة في ظل الإخلالات الكبيرة التي تمت معاينتها من قبل الهيئة أثناء البت في الترشحات وما استتبعه ذلك من تقديم عدد من القضايا والشكايات لدى النيابة العمومية من قبل عدد من الناخبين لوجود شبهة التزوير. لذلك، تدعو الهيئة إلى مراجعة إجراءات التزكية في الانتخابات الرئاسية وإقرار عقوبات جزائية وأخرى انتخابية في القانون الانتخابي على غرار المنع من ممارسة حق الاقتراع والترشح لأي انتخابات أخرى لكل من يتعمّد تقديم تزكيّات مدلّسة.

وبالرغم من النسبة العالية لتأييد قرارات الهيئة من المحاكم المختصة في النزاعات الانتخابية حيث تمّ تأييد قرارات الهيئة في الطعون الخاصة بالترشح للانتخابات التشريعية بنسبة 72.5% في الطور الابتدائي وبنسبة 86.9% في الطور الاستئنافي وفي الانتخابات الرئاسية بنسبة 100% في الطورين الابتدائي والاستئنافي، إلا أن الهيئة واجهت بعض الإشكاليات في متابعة النزاع الانتخابي تتعلق بالخصوص بضيق الآجال، ففي حين نصّ الفصل 29 من القانون الانتخابي على استئناف الأحكام الابتدائية أمام الدوائر الاستئنافية للمحكمة الإدارية في مادة الترشحات للانتخابات التشريعية في أجل أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ الإعلام بالحكم دون تحديد أجل لإيداع الردود الكتابية، اشترط الفصل 46 في فقرته الخامسة بالنسبة إلى الطعون في قرارات الترشح للانتخابات الرئاسية الإدلاء بالملحوظات الكتابية في أجل يومين قبل جلسة المرافعة. وقد اتسمت الآجال المرتبطة بالطعون في نتائج الانتخابات بنفس التضارب، حيث تسبب التقليص في الآجال الممنوحة في ضغط كبير على الهيئة من ناحية إعداد الردود الكتابية وحرمانها عمليا من تنسيق الردود التي تتعلق في عديد الأحيان بنفس المطاعن، وإذ تتولّى المحكمة وفقا لأحكام القانون الانتخابي ترسيم القضية وتعيين جلسة المرافعة في أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام وتتولّى الإعلام بجلسة المرافعة والتنبيه على الأطراف للإدلاء بملحوظاتهم الكتابية قبل 48 ساعة من موعد الجلسة ليصبح آخر أجل للردود هو نفس يوم الإعلام. وتجدر مراجعة هذه الأحكام في اتجاه توحيد الإجراءات وآجال تبليغ الردود وتركها مفتوحة إلى تاريخ جلسة المرافعة نظرا لضيق آجال التقاضي وضمانا لحقوق المتقاضين.

  1. مراقبة أنشطة الحملات الانتخابية

تولت الهيئة، بمقتضى السلطة الترتيبية المخوّلة إليها، إعداد مجموعة من القرارات تهدف إلى ضبط القواعد المنطبقة على الحملة الانتخابية وتمويلها[14]، وقد مثلت إلى جانب القانون الانتخابي الإطار القانوني المباشر لمراقبة أنشطة الحملات الانتخابية وتمويلها، غير أنّه تجدر الإشارة منذ البداية أن سلطة الهيئة في هذا المجال كانت محددة عمليّا وميدانيّا بضوابط قانونية أخرى تتعلق بالنصوص التشريعية والترتيبية التي يتشكل منها خاصة الإطار القانوني العام لتسيير الأحزاب والجمعيات وتمويلها والإطار القانوني الذي يضبط عمل وسائل الإعلام بأنواعها وقوانين الإشهار والدعاية وسبر الآراء.

وقامت الهيئة بإصدار دليل لمراقبة أنشطة الحملة، ودليل لمراقبة تمويل الحملة، وعملت على توفير الموارد المادية والبشرية اللازمة لضمان مراقبة ناجعة على الحملات الانتخابية. وتم لهذا الغرض إحداث وحدة داخل الجهاز التنفيذي للهيئة تختص بمراقبة الحملات الانتخابية. أما على المستوى الجهوي داخل الجمهورية، فقد تم تركيز جهاز مراقبة ميداني يتكون من مكلفين جهويين بمراقبة الحملة و1256 عون مراقبة ميداني محلّف موزعين بناء على عدد مراكز الاقتراع بكل معتمدية. وفي الدوائر الانتخابية بالخارج أسندت مهمّة رقابة أنشطة الحملة وتمويلها إلى أعضاء من الهيئات الفرعية ومنسقي المناطق.

وبالنّظر إلى حجم العمل الذي أنجز في الدوائر الانتخابية في الداخل في هذا المجال، فإن تخصيص هذا العدد المهم من أعوان المراقبة قد ساهم في الحدّ من عدد المخالفات خارج أيام الاقتراع، ويتجه دعم هذا المجهود وإضافة مراقبين يوم الاقتراع لرصد ومتابعة كافة المخالفات. أما في الخارج، فلا بدّ من مراجعة الضوابط القانونية لمراقبة أنشطة الحملة برمتها لارتباط ذلك بقوانين الدول التي يجري فيها الاقتراع وبمقتضيات العرف الديبلوماسي والاتفاقيات الدولية.

وقد أفضى نشاط الهيئة خلال مراقبة الحملة في الانتخابات التشريعية إلى توجيه 2805 تنبيها للقائمات المترشحة بوجوب احترام قواعد الحملة الانتخابية، وتوجيه 530 إنذارا بإزالة معلقات ووسائط إشهارية غير قانونية، وتم إعلام النيابة العمومية المختصة ترابيا في 843 مناسبة للاشتباه في ارتكاب جريمة انتخابية.

وتجدر الإشارة إلى أنّه تمّ حفظ حوالي 51% من محاضر المخالفات المحررة من الأعوان، وهي نسبة هامّة تعود غالبا إلى كون المخالفة تتعلق بتمزيق المعلقات الانتخابية والتي غالبا ما يتعذر التوصل إلى معرفة المسؤول عنها وإلى طريقة تحرير المحاضر ووصف المخالفات والجرائم المرتكبة. لذلك يتعين على الهيئة العمل في المواعيد الانتخابية القادمة على ضمان تلاؤم المؤهلات المهنية والعلمية لأعوان الرقابة مع خصوصية مهمة معاينة ورفع المخالفات عموما والمخالفات والجرائم المتعلقة بالحملة الانتخابية على وجه الخصوص.

وقد اعترضت الهيئة عدة صعوبات قانونية تتعلق خاصة بمدى شرعية القيام بالدعاية الانتخابية قبل الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية التشريعية. وقد اعتبرت الهيئة أنّ الشكايات الواردة عليها في هذا الصدد لا تستند إلى أي أساس قانوني سليم نظرا لأن القانون الانتخابي لم يحجر في فترة ما قبل الحملة الانتخابية الدعاية الانتخابية بل منع بعض الممارسات ذكرها على سبيل الحصر، وهي الإشهار السياسي والإعلان عن تخصيص رقم هاتف مجاني بوسائل الإعلام أو موزع صوتي أو مركز نداء لفائدة مترشح أو قائمة مترشحة أو حزب وبث ونشر نتائج سبر الآراء التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات والاستفتاء والدراسات والتعاليق الصحفية المتعلقة بها عبر مختلف وسائل الإعلام. وطالما أنّ الأصل في الأشياء الإباحة فإن جميع وسائل الدعاية الانتخابية عداها تبقى متاحة قانونا قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

كما طرح التداخل بين الموعدين الانتخابيين على الهيئة بعض الإشكاليات ذلك أن بعض الأحزاب استغلت هذا التداخل للقيام بدعاية لمرشحها في الانتخابات الرئاسية بمناسبة الحملة الانتخابية التشريعية، وذلك بعدة أساليب لعل من أهمها تضمين المعلقات الانتخابية صورة رئيس الحزب المترشح للانتخابات الرئاسية. وقد رفضت الهيئة التأشير على هذه المعلقات لعدة أسباب منها خرق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين. ولم تمنع الهيئة توزيع مطويات تجمع في نفس الوقت بين الدعاية للانتخابات التشريعية والدعاية للانتخابات الرئاسية حيث اعتبرت أن تلك المطويات مخالفة لقواعد تمويل الحملة من خلال تخصيص الموارد المالية المخصصة للانتخابات التشريعية لغرض آخر لا علاقة له بتلك الانتخابات، وأن خرق قواعد التمويل يبقى أساسا من متعلقات المراقبة التي تجريها دائرة المحاسبات، وأن جزاء خرق تلك القواعد لا ينجر عنه سوى إرجاع المنحة العمومية واحتساب النفقة غير المشروعة في السقف الانتخابي للقائمة المترشحة.

وعموما، وبالرغم من فصل المواعيد الانتخابية فإنّ تزامن الفترتين الانتخابيتين التشريعية والرئاسية وتداخلهما قد يكون أمرا عارضا خاصا بالمسار الانتخابي سنة 2014، إلا أنه أثار إشكاليات حقيقية وجديدة لها ارتباط بالإطار القانوني المنظم للانتخابات الذي تم إنجازه دون اعتبار إمكان حدوث التزامن والتداخل. وقد بذلت الهيئة في هذا الإطار جهدها الأقصى في الاجتهاد واستنباط الإجراءات وتفصيل الحالات في إطار التكليف الموكل إليها وتحملت مسؤوليتها بمهنيّة مما ساهم في إنجاح الانتخابات سنة 2014.

وبمناسبة تقديرها لمدى تأثير المخالفات المرتكبة من القائمات الفائزة في الانتخابات التشريعية، خصوصا يوم الاقتراع، على النتائج الأولية للانتخابات، اعتبرت الهيئة أنه يمكن إلغاء نتائج القائمة الفائزة، إذا ثبت أنّ المخالفات التي ارتكبتها قد أثرت بصفة جوهرية وحاسمة على نتائج الانتخابات، وذلك إما كليا أو جزئيا في حدود عدد المقاعد التي تحصلت عليها بطريقة غير شرعية. وقد اعتمدت في قراءتها لأحكام الفصل 143 من القانون الانتخابي على قاعدة من أمكنه الأكثر أمكنه الأقل. وقد أدى هذا التأويل إلى إلغاء المقعد الثالث الذي فازت به قائمة نداء تونس على أساس أكبر البقايا بالدائرة الانتخابية القصرين غير أن المحكمة الإدارية لم تؤيد موقف الهيئة وألغت قرارها. وبالنظر من ناحية أولى إلى تباين التأويلات القانونية في تقدير جسامة التأثير على النتائج إن كان يتم بالنظر إلى الفارق بين عدد الأصوات الإجمالي لكل قائمة أم يتجاوز ذلك إلى الفارق بين عدد ما تبقى من الأصوات في مرحلة توزيع المقاعد حسب أكبر البقايا، ومن ناحية ثانية إلى صعوبات الإثبات المتعلقة بمدى الـتأثير على الناخبين التي من شأنها الإلغاء الكلي للنتائج، فإن الهيئة تدعو المشرع إلى مزيد التعمق في هذا الأمر والنظر في إمكانية التنصيص على آليات محددة ضمن القانون الانتخابي تسمح، للهيئة في نطاق الإعلان عن النتائج الأولية وللمحاكم حين البت في النزاعات والطعون، بإمكانية الإلغاء الجزئي لنتائج المخالفين على مستوى مكتب أو مركز الاقتراع الذي شهد المخالفة، وذلك حتى تكتسب رقابة الهيئة جدواها الفعلية وحتى يتمّ تكريس حريّة وسريّة ونزاهة عمليّات الاقتراع بأتمّ معانيها.

وتولّت الهيئة مراقبة الحملة الانتخابية للدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التي امتّدت من 1 نوفمبر 2014 إلى يوم 21 نوفمبر 2014 وكذلك فترة الصمت الخاصة بها، وتمثلت أهم الإشكاليات التي وردت عليها في استعمال المترشح محمّد المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية آنذاك، لوسائل الدولة وأجهزتها في إطار حملته الانتخابية. ولئن أكدت الهيئة في هذا الخصوص على التحجير المبدئي لاستعمال الوسائل والموارد العمومية في إطار الحملة الانتخابية بما يندرج في إطار احترام مبدأي حياد الإدارة والمساواة بين جميع المترشحين، فإنها اعتبرت في المقابل أنّ هذا المنع ليس مطلقا وإنّما يتحمّل استثناء كلّما تعلّق الأمر بالحماية الأمنية التي يقتضيها المركز القانوني لبعض كبار موّظفي الدّولة على غرار رئيس الجمهورية. لذا قرّرت الهيئة حفظ الشكايات الموجهة ضدّه لا سيّما أنّ بقيّة المترشحين تمتعوا بحماية أمنيّة من الدولة خولت لهم القيام بحملاتهم الانتخابية في مختلف جهات البلاد بكل حرية وأمان.

وحافظت الهيئة بمناسبة مراقبتها لفعاليات الحملة الانتخابية للدورة الثانية للانتخابات الرئاسية على نفس عدد المراقبين الذين اعتمدتهم بمناسبة الحملة في الانتخابات التشريعية أو الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية. وقد لاحظت الهيئة أن المترشحين الاثنين الذين تحصلا على أكبر عدد من الأصوات في الدورة الأولى لم ينتظرا بتّ المحكمة الإدارية في الطعون المعروضة عليها والإعلان عن النتائج النهائية للدّورة الأولى للبدء في عقد اجتماعات شعبية، ولم تمنعها طالما أنّ القانون الانتخابي لا يمنع ذلك.

كما لاحظت الهيئة بعد الإعلان عن النتائج الأولية للدّورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وضع ركائز إشهارية تابعة لإحدى شركات الإشهار في العديد من الشوارع الرئيسية للعاصمة، متضمنة عبارات مثل "الفقر المؤقّت" و"الوسخ المؤقّت" و"العنف المؤقّت"... وقد اعتبرت الهيئة أنّ المعلّقات المذكورة هي من قبيل الإشهار السياسي المقنّع لفائدة أحد المترشّحين للدّورة الثانية، وهو عمل محجّر في فترة ما قبل الحملة باعتبار أنّ الحملة الانتخابية للدورة الثانية للانتخابات الرئاسية لم تنطلق بعد. وتبعا لذلك، اتّخذت الهيئة قرارا بإزالة المعلّقات المذكورة.

وعملت الهيئة على مراقبة وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية طيلة الحملة الانتخابية بمناسبة الانتخابات التشريعية والحملتين الانتخابيتين بمناسبة الدورة الأولى والدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، حيث رصدت محتوى كل الصحف الورقية المكتوبة اليومية والأسبوعية ونصف الشهرية والشهرية الصادرة بتونس و14 موقعا إلكترونيا إخباريا تونسيا باللغتين العربية والفرنسية.

وقد رصدت الهيئة في الحملة الانتخابية بمناسبة الانتخابات التشريعية 363 مخالفة ارتكبتها وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، تعلقت في أغلبها بانتهاك قواعد المهنة الصحفية وأخلاقياتها وخرق مبدأ الحياد والانحياز لطرف سياسي دون آخر وعدم التمييز بين الخبر والتعليق عليه. وقد تبيّن من قراءة نتائج الرصد، من ناحية أولى، أن الصحفيين والمشرفين على المؤسسات الإعلامية كانوا مسؤولين على أغلب التجاوزات والمخالفات التي تمّ تسجيلها، ومن ناحية ثانية، أن أكبر عدد من التجاوزات تم تسجيلها في الصحف المكتوبة هذا، وتولت الهيئة أيضا مراقبة مدى احترام وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية لمقتضيات التعددية السياسية طيلة الحملة في الانتخابات التشريعية، وكشفت عملية الرصد أن تغطية الصحف المكتوبة لأنشطة القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية كان متنوّعا، وإن حازت حركتا النهضة ونداء تونس على أكبر نسب التغطية. ويمكن القول إن الحياد والتوازن غلبا على تغطية الصحف للحملة الانتخابية. أما فيما يتعلق بتغطية أنشطة القائمات المترشحة والأطراف السياسية من قبل الصحافة الإلكترونية فقد تميزت بتخصيص المساحة الأكبر لحركتي نداء تونس والنهضة.

وفي فترة الصّمت الانتخابي بمناسبة الاقتراع في الانتخابات التشريعية، كشفت عملية المتابعة عن ارتكاب 84 مخالفة تمثلت أغلبها في خرق مقتضيات الصمت الانتخابي في 44 مناسبة، والإعلان عن النتائج الجزئية للانتخابات في 19 مناسبة، ونشر نتائج استطلاعات الرأي قبل غلق آخر مكتب اقتراع في 6 مناسبات.

وفي الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، رصدت الهيئة خلال الحملة الانتخابية 341 مخالفة في وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية. وبلغ عدد التجاوزات في الصحف المكتوبة 259 مخالفة مقابل 82 مخالفة في الصحف الالكترونية. وقد ارتكب 90% من هذه المخالفات صحفيون أو مشرفون على الوسيلة الإعلامية. وكان حجم التغطية الصحفية للمرأة المترشحة في وسائل الإعلام ضعيفا جدا ولم يتجاوز نسبة 5% من المساحة الجملية للتغطية. وتميّز سياق التغطية الانتخابية للمترشحين عموما بالحياد، وكان سياق تغطية حملة المترشح محمد المنصف المرزوقي في بعض الأحيان سلبيا، في حين تمتع كل من المترشحين الباجي قايد السبسي ومصطفى كامل النابلي، رغم انسحابه، بسياق تغطية تميز بالإيجابية. وتظهر النتائج أن المترشح محمد الباجي قايد السبسي حاز على أكبر نسبة من التغطية الإخبارية المتعلقة بالانتخابات في وسائل الإعلام المكتوبة بلغت 13% من المساحة الجملية للتغطية، وأن المترشحين محمد الباجي قايد السبسي ومحمد المنصف المرزوقي وحمة الهمامي كانوا الأكثر حضورا في وسائل الإعلام المكتوبة بنسبة قدرت بـ30% من المساحة الجملية للتغطية. وفيما يتعلق بفترة الصمت الانتخابي للدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، سجلت الهيئة 8 مخالفات تمثلت أغلبها في نشر نتائج استطلاعات الرأي، 6 مخالفات منها في وسائل الإعلام المكتوبة ومخالفتين في وسائل الإعلام الالكترونية.

وسجلت الهيئة طيلة الحملة الانتخابية للدورة الثانية للانتخابات الرئاسية وفترة الصمت الانتخابي التي تلتها 519 مخالفة في الصحف تسبب الصحفيون والمسؤولون عن وسائل الإعلام في 314 مخالفة منها يليهم السياسيون والأحزاب السياسية بـ127 مخالفة. أما فيما يتعلق بالتعددية، فقد حظي المترشحان للدور الثاني للانتخابات الرئاسية محمد الباجي قايد السبسي ومحمد المنصف المرزوقي بتغطية متوازنة في وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، غير أن التغطية الإخبارية للحملة الخاصة بالمترشح محمد المنصف المرزوقي اتّسمت بقدر من السلبية في حدود 9% من الحجم الإجمالي للتغطية. وفي المقابل، تمتع المترشح محمد الباجي قايد السبسي بتغطية إيجابية في حدود 4%.

  1. مراقبة تمويل الحملات الانتخابية

تمّ، بمبادرة من الهيئة، تنظيم عدة اجتماعات تنسيقية من قبل رئاسة الحكومة جمعت كافة الأطراف المتداخلة في عملية تمويل الحملة على غرار مصالح مستشار القانون والتشريع للحكومة ودائرة المحاسبات ووزارة الاقتصاد والمالية والبنك المركزي التونسي والمعهد الوطني للإحصاء. وقد ساهمت هذه الاجتماعات في تسريع إعداد الأوامر المتعلقة بضبط السقف الإجمالي للإنفاق الانتخابي وسقفي التمويل الخاص والتمويل العمومي، في كل من الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية.

وأدّى اعتماد معايير حجم الدائرة الانتخابية وعدد الناخبين المرسمين وكلفة المعيشة بها، المنصوص عليها بالفصل 81 من القانون الانتخابي، بالإضافة إلى مراجعة السلّم الذي يتم على أساسه احتساب قيمة التمويل العمومي بالنظر إلى عدد الناخبين، إلى الترفيع في قيمة المنحة العمومية المسندة إلى القائمات المترشحة في الانتخابات التشريعية مقارنة مع قيمة المنحة المسندة سنة 2011 بمناسبة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

وحتى يتسنى للقائمات المترشحة للانتخابات التشريعية الحصول على القسط الأول من منحة التمويل العمومي قبل انطلاق الحملة، تولّت الهيئة إعداد الكشوفات الخاصة بالقائمات المقبولة نهائيا في الانتخابات التشريعية، والقائمات المترشحة في دوائر انتخابية يساوي عدد المقاعد فيها أو يفوق أربعة، ولم تضم من بين الأربعة الأوائل مترشحا أو مترشحة لا يزيد سنه عن خمس وثلاثين سنة. كذلك تم ضبط كشوفات الحسابات البنكية الوحيدة المفتوحة من قبل القائمات المترشحة حيث أصدر البنك المركزي، بعد استشارة الهيئة، منشورا تعلق بفتح الحسابات البنكية بالنسبة إلى القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية، والذي نص خاصة على أن فتح الحساب البنكي الوحيد يتم وجوبا من قبل رئيس القائمة المترشحة ويحمل ضرورة اسم القائمة. هذا، وتمّ إسناد مهمة التصرف في الحساب البنكي الوحيد إلى الوكيل المالي للقائمة. وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أن الصعوبات القانونية التي اعترضت القائمات المترشحة بالخارج لفتح حسابات بنكية باسمها أدت إلى تأخير صرف القسط الأول لفائدتها. لذلك، تمّ الترخيص للقائمات المترشحة بالدوائر الانتخابية بالخارج في فتح حساب بنكي وحيد بالخارج باسم رئيس القائمة، كما تمّ السماح للقائمات التي لم تتمكن من فتح حسابات بنكية بالخارج، تحمل اسم القائمة أو اسم رئيسها، من فتح حساب بنكي وحيد داخل الجمهورية بالدينار القابل للتحويل ويحمل ضرورة اسم القائمة. وهو ما يستدعي مراجعة القواعد المتعلقة بتمويل الجملة الانتخابية بالنسبة إلى القائمات بالخارج لتفادي ما تمت معاينته من صعوبات ولضمان قدر أكبر من التناغم بين التشريع التونسي والتشريعات المعتمدة لدى جلّ بلدان المضيفة.

وأسفرت عملية صرف المساعدة العمومية على تمويل الحملة في الانتخابات التشريعية على صرف القسط الأول لفائدة 1222 قائمة مترشحة داخل الجمهورية التونسية من مجموع 1229 قائمة مترشحة مقبولة نهائيا ولم يتم صرفه لسبع (07) قائمات مترشحة لم تتولّ التصريح بالبيانات الخاصة بالحساب البنكي والوكيل المالي. كما تمّ صرف القسط الأول من منحة التمويل العمومي لفائدة 93 قائمة مترشحة بالدوائر الانتخابية بالخارج من مجموع 97 قائمة مترشحة ولم يتم صرفه لأربع قائمات مترشحة بالدوائر الانتخابية بالخارج منها ثلاث قائمات تنازلت عنها. وتم حرمان 59 قائمة مترشحة من نصف القيمة الجمليّة لمنحة التمويل العمومي، طبقا لأحكام الفصل 25 من القانون الانتخابي، حيث لم تضم من بين الأربعة الأوائل مترشحا أو مترشحة لا يزيد سنه عن خمس وثلاثين سنة، وبالتالي تم صرف نصف قيمة القسط الأول فقط لفائدتها. وتوزعت القائمات المحرومة بين 40 قائمة حزبية و19 قائمة مستقلّة، وهو ما يعكس محدودية هذا الحافز المالي قصد ضمان تمثيلية معتبرة للشباب بالمجالس النيابية. لذا، فإنه من المتجه المبادرة بمراجعة القوانين المتعلقة بالأحزاب لدفعها لتشريك الشباب صلب هياكلها المنتخبة وضمن القائمات المترشحة عنها.

وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة تولت، مباشرة إثر التصريح بالنتائج النهائية للانتخابات التشريعية، إعداد كشوفات القائمات التي تحصلت على 3% على الأقل من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة الانتخابية أو فازت بمقعد بمجلس نواب الشعب، وكشوفات القائمات التي لم تتحصل على 3% على الأقل من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة الانتخابية أو لم تفز بمقعد بمجلس نواب الشعب، وتمّ توجيهها إلى وزارة الاقتصاد والمالية، قصد صرف القسط الثاني من مبلغ المنحة العمومية لفائدة القائمات التي استوفت الشروط القانونية، من ناحية، وتمكينها من كافة المعطيات والبيانات اللازمة لاسترجاع القسط الأول من منحة التمويل العمومي بالنسبة إلى بقية القائمات، من ناحية أخرى.

وتمّ ضبط مقدار المنحة العمومية المسندة إلى المترشحين للانتخابات الرئاسية الذين تمّ الإعلان عن قبول ترشحهم نهائيا على أساس خمسة عشر دينارا (15 د) عن كل ألف ناخب على المستوى الوطني في الدورة الرئاسية الأولى وعشرة دنانير (10 د) عن كل ألف ناخب على المستوى الوطني في الدورة الرئاسية الثانية، وتمّ تحديد السقف الإجمالي للإنفاق على الحملة الانتخابية بالنسبة إلى كل دورة بـ 10 أضعاف مبلغ المنحة بعنوان مساعدة عمومية على تمويل الحملة، وذلك نظرا لمحدودية مبلغ منحة التمويل العمومي. وتسجّل الهيئة التأثير الواضح لرفع سقف التمويل في تعدّد أنشطة الحملات الانتخابية للمترشحين للانتخابات الرئاسية وتنوّعها مقارنة بفعاليات الحملات الانتخابية للقائمات المترشحة في الانتخابات التشريعية. وقد عرف نسق أنشطة الحملة في الانتخابات التشريعية ارتفاعا ملحوظا مباشرة إثر صرف منحة التمويل العمومي.

وقد تولّت الهيئة مراقبة مدى التزام القائمات المترشحة في الانتخابات التشريعية والمترشحين في الانتخابات الرئاسية بقواعد تمويل الحملة الانتخابية، من خلال ممارسة رقابة ميدانية عليهم في مرحلة أولى ثم رقابة مستندية في مرحلة ثانية.

  1. عمليات الاقتراع والفرز

تولّت الهيئة إتمام الإطار القانوني للاقتراع والفرز من خلال إصدارها للقرار عدد 19 لسنة 2014 المتعلق بضبط شروط وصيغ تعيين أعضاء مكاتب الاقتراع وطرق تعويضهم[15]. كما تولت إصدار القرار عدد 30 لسنة 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الاقتراع والفرز[16]، وذلك تطبيقا لأحكام الباب الخامس من القانون الانتخابي.

وتمّ التأكيد في القرار الأول على شروط النزاهة والحياد والاستقلالية، وانعدام الصلة بالمترشحين من حيث القرابة أو العلاقة المهنية، وعدم الانتماء إلى أي حزب سياسي، وعدم تحمل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي في المترشحين لعضوية مكاتب الاقتراع. وللتأكد من توفر هذه الشروط، تم التنصيص على وجوب تقديم كل مترشح لتصريح على الشرف معرف بالإمضاء باستيفائه لكافة هذه الشروط. كما تمّ اشتراط حدّ أدنى من المستوى التعليمي في المترشحين. وقد تولت الهيئات الفرعية فرز مطالب الترشح وقبول المترشحين الذين استوفوا الشروط القانونية في حدود العدد المطلوب ثم البت في مطالب الترشح وترتيب المترشحين لاختيار رؤساء المكاتب والمراكز ومساعديهم من خلال الشهادة العلمية والخبرة المهنية والخبرة في المجال الانتخابي أو الجمعياتي. وفي هذا الصدد، يتجه التفكير في تقييم هذه المعايير والبحث في تطويرها ليتمّ اعتمادها ضمن سلّم تقييمي يدرج في القرار عدد 19 لسنة 2014.

وقد طرح تطبيق الفصل 121 من القانون الانتخابي عدة إشكاليات إجرائية عندما نصّ على ضرورة نشر قائمة أعضاء مكاتب الاقتراع، بما في ذلك رؤساء مكاتب الاقتراع، بالموقع الالكتروني للهيئة ومنح المترشحين (في الانتخابات الرئاسية) وممثلي القائمات المترشحة (في الانتخابات التشريعية) والأحزاب (في الاستفتاء) حق طلب مراجعة تعيين عضو مكتب اقتراع. فقد كان لهذا التنصيص انعكاسات واضحة على عمل الهيئة من الناحية التنظيمية والعملية حيث اضطرت لاختيار رؤساء مكاتب الاقتراع قبل تكوينهم وتقييم معارفهم واستعداداتهم لتحمل المسؤولية، وهو ما أدّى إلى تغيير رؤساء مكاتب الاقتراع في مرحلة التكوين إذا ثبت عدم انضباطهم أو عدم قدرتهم الفعلية على تسيير مكتب اقتراع. ونظرا إلى هذه الصعوبات التي تمت معاينتها عند ضبط قائمة رؤساء مكاتب الاقتراع قبل انطلاق الدورات التكوينية، فإنه يتجه مراجعة القانون الانتخابي في خصوص الشروط المتعلقة بضرورة نشر قائمة أعوان ورؤساء مكاتب الاقتراع والاقتصار على ضرورة نشر قائمة أعوان مكاتب الاقتراع حتى يتسنى للهيئة تقييم جميع المترشحين لمختلف الخطط وتعيين أكفئهم وفقا لما يتبيّن لديها خلال الدورات التكوينية.

ولتفادي كل نقص في عدد أعضاء مكاتب الاقتراع، تمّ التنصيص صلب القرار عدد 19 على ضبط الهيئة لقائمة أعضاء احتياطيين مع إمكانية استكمال النقص في مكاتب الاقتراع من قائمات المترشحين في دوائر انتخابية أخرى، أو من الأعوان العموميين أو ممّن له تجربة في الانتخابات السابقة ممّن تتوفر فيهم الشروط القانونية. وقد مكّنت هذه المرونة الهيئة من سدّ الشغور وانتداب العدد الكافي من أعضاء المكاتب، وهو ما مكّن مكاتب الاقتراع من العمل بكامل أعضائها سواء في الانتخابات التشريعية أو في الانتخابات الرئاسية بدورتيها.

ولتنظيم قبول ترشحات أعضاء مكاتب الاقتراع، تم الاستعانة بخمسة أعوان في كل إدارة فرعية داخل الجمهورية لقبول الترشحات بواسطة البريد العادي أو عبر الواب أو بصفة مباشرة في مقرات الهيئات الفرعية. وقد بلغ مجموع الترشحات خلال الفترة الأولى 47935 ترشحا، وهو عدد غير كاف فرض على الهيئة تمديد قبول الترشحات إلى غاية 10 سبتمبر حيث وصل العدد إلى 77803 ترشحا. وتولت الهيئات الفرعية إثر ذلك فرز مطالب الترشح الواردة عليها ثم نشر قائمات المترشحين المقبولين بمقراتها وعلى الموقع الالكتروني للهيئة بهدف السماح لممثلي القائمات المترشحة في الانتخابات التشريعية بتقديم مطالب المراجعة. وتمّ الإبقاء تبعا لذلك على 50343 مترشحا منهم 1457 أعضاء احتياطيون. وقد تمكنت الهيئة بالنسبة إلى الدوائر الانتخابية بالخارج من انتداب 1628 عونا للاضطلاع بمهمة عضو مكتب اقتراع، رغم الصعوبات وعدم ورود المطالب الكافية.

وفي إطار سعيها المتواصل إلى التثبت من توفر شروط الحياد والنزاهة والاستقلالية في أعضاء مكاتب الاقتراع، قبلت الهيئة مطالب المراجعة المقدمة من المواطنين أو الأحزاب أو المنظمات والجمعيات رغم أنّ حق تقديم طلبات المراجعة يقتصر على ممثّلي القائمات المترشحة في الانتخابات التشريعيّة، والمترشحين في الانتخابات الرئاسيّة.

وفيما يتعلق بتوضيح إجراءات عمليتي الاقتراع والفرز، تمّ توحيد المفاهيم المتعلقة ببعض المصطلحات صلب القرار عدد 30 لسنة 2014 بإدراج تعريفات تتعلق بمكتب الاقتراع ومركز الاقتراع والمكتب المركزي ومركز الجمع. كما تمّ تعريف مصطلح "الأصوات المصرّح بها" غير أنه وجب مراجعته ليتلاءم مع ما ورد بالفصل 9 من قرار الهيئة المتعلق بقواعد وإجراءات احتساب النتائج والإعلان عنها كما تمّ تنقيحه وإتمامه، وذلك فيما يتعلق بعدم احتساب الأوراق البيضاء ضمن الأصوات المصرح بها في الانتخابات الرئاسية. ويعتبر هذا الاجتهاد مهمّا باعتباره أتاح تناسق طريقة احتساب نسبة الأصوات المصرّح بها للمترشحين في الانتخابات الرئاسية مع نظام الجولتين الذي أقره الدستور والذي يهدف إلى إعلان فوز من تحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات، وتدعو الهيئة إلى التنصيص على هذا التعريف في القانون الانتخابي.

وتمّ في نفس القرار تفصيل بعض التحجيرات الواردة بالقانون الانتخابي على غرار منع استطلاع آراء الناخبين واستعمال مكبرات الصوت داخل مراكز ومكاتب الاقتراع. كما تم إدراج بعض التحجيرات في إطار السلطة الترتيبية المخولة للهيئة على غرار منع إجراء المقابلات الصحفية داخل مكاتب الاقتراع وتحجير استعمال الهاتف الجوال باستثناء رئيس المكتب، علما أنه يتجه إدخال بعض المرونة على التحجير الأخير بالنسبة إلى الملاحظين فيما يتعلق بتوجيه الإرساليات الالكترونية.

وبغاية ضمان شخصية التصويت وسريته بالنسبة إلى الأميين، تم التنصيص على تحجير اصطحاب مرافق مع التأكيد في المقابل على واجب الهيئة في القيام بحملات توعوية تهدف إلى تعريف الأميين بإجراءات التصويت.

وحدّد القرار عدد 30 لسنة 2014 عدد أعضاء مكاتب الاقتراع بأربعة، ونصّ في نفس الوقت على عدم جواز أن يقلّ عدد الأعضاء في جميع الحالات عن عضويْن اثنيْن. ويتجه تعديل هذا الخيار وترك تحديد عدد أعضاء المكاتب للاعتبارات الميدانية التي قد تختلف من استحقاق انتخابي إلى آخر، أو من دائرة انتخابية إلى أُخرى، أو من مكتب إلى آخر، والاكتفاء بالتنصيص على العدد الأدنى من أعضاء المكتب الذي يُشترط حضورهم فيه. والجدير بالذكر أن عدم التنصيص على توقيت الاقتراع مكّن الهيئة من اعتماد توقيت استثنائي لبعض مكاتب الاقتراع لأسباب أمنية.

وإثر التغييرات المتتالية المدخلة على أعضاء مكاتب الاقتراع، استقر عددهم داخل الجمهورية في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في حدود 41793 عضو مكتب اقتراع، منهم 21189 من النساء، أي بنسبة تقدّر بـ50.7%. وبلغ عدد المكاتب التي كان أغلب أعضائها من النساء حوالي 3234 مكتبا، وهو ما يمثّل 30.6 %من العدد الإجمالي لمكاتب الاقتراع، منها 627 مكتبا تكوّنت كلها من النساء، أي بنسبة تقدّر بـ5.9%، في حين بلغ عدد المكاتب التي تضم عضوين من النساء أو أكثر حوالي 7526 مكتبا من مجموع 10567 مكتبا، أي بنسبة تتجاوز 71% من مجموع المكاتب. وشاركت المرأة كرئيسة مكتب اقتراع بنسبة تفوق 26% من مجموع رؤساء المكاتب. وعموما، بلغ عدد أعضاء مكاتب الاقتراع ورؤساء مراكز الاقتراع ومساعديهم والمكونين الجهويين والمنسقين المحليين وأعوان مراكز الجمع والمكاتب المركزية داخل الجمهورية حوالي 57000 عونا أكثر من 65% منهم لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة.

هذا، وساهم التصميم الواضح لورقة الاقتراع والحملات التوعوية والدورات التكوينية في توضيح حالات الورقة الملغاة وفي التقليص من عددها بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية. ففي حين تمّ تسجيل 106010 ورقة ملغاة في الانتخابات التشريعية انخفض هذا الرقم في الانتخابات الرئاسية إلى 50088 في الدورة الأولى و50585 في الدورة الثانية.

وضماناً لأكبر قدر من الحياد وتكافؤ الفرص بين المترشحين، اعتمدت الهيئة القرعة في تنظيم وترتيب القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية وأسماء المترشحين في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية على ورقة الاقتراع. غير أنه في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، ولئن استحال إجراء عملية القرعة نظرا للالتزام المحمول على الهيئة بنشر نموذج ورقة الاقتراع على موقعها الإلكتروني قبل انطلاق الحملة الانتخابية التي تبدأ في اليوم الموالي للإعلان عن النتائج النهائية للدورة الأولى، فإن الهيئة اعتمدت أربعة معايير لترتيب المترشحين للدورة الثانية متعارف عليها في التجارب الدولية تتعلق بنتائج القرعة التي أجريت في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، وبترتيب المترشحين في النتائج النهائية للدورة الأولى، واستنادا إلى كل من الترتيب الأبجدي والسن، وقد آلت جميع هذه المعايير بالنسبة إلى انتخابات 2014 إلى نفس المترشح. ويتجه التفكير في تنظيم مسألة القرعة والطريقة المعتمدة لترتيب المترشحين على ورقة الاقتراع ضمن القرار المتعلق بإجراءات الاقتراع والفرز.

وبعد إجراء عملية القرعة الخاصة بترتيب القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية، تمّ التنسيق مع المطبعة الرسمية للبلاد التونسية لإعداد أوراق التصويت وذلك بتوفير الاسم الكامل للقائمة المترشحة ورمزها. كما تمت متابعة الترتيب الصحيح للقائمات المترشحة الواردة بورقة الاقتراع ومطابقته مع الترتيب النهائي الموجود بمحضر ترتيب القرعة الذي قامت بها كل هيئة فرعية. وقد كان لعدد القائمات المترشحة بالدائرة الانتخابية انعكاس واضح على ورقة التصويت، فكلّما قلّ عدد القائمات كانت التسميات والرموز على ورقة التصويت أكثر وضوحا للناخب. هذا، وقد تم طباعة حوالي 6 ملايين وأربعمائة وثلاثين ألف ورقة تصويت في الانتخابات التشريعية وتم طباعة نفس العدد من أوراق التصويت في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية ثم في الدورة الثانية، ولم يسجّل أيّ خطا في هذا الخصوص. وتمّ توزيع أوراق التصويت بطريقة صحيحة تقريبا على كل مكاتب الاقتراع، فلم يسجّل خطأ في التوزيع إلا في حالة واحدة في الانتخابات التشريعية حيث تسلمت بعض المكاتب بطريق الخطأ أوراق تصويت تخص دوائر أخرى. وقد تم التفطن إلى هذا الأمر منذ البداية وتم تداركه. وتم بمناسبة الانتخابات التشريعية توزيع علبتي حبر انتخابي على كل مكتب اقتراع. ويجب في هذا الخصوص التفكير في طريقة علميّة لحفظ الجزء الضروري للأرشيف من وثائق مكاتب الاقتراع والنظر في الطرق العلمية المطابقة لقواعد حماية البيئة للتصرف خاصة في الكميات الكبيرة من الورق المستعمل وبقايا الحبر الانتخابي.

وتمّ إعداد دليل إجراءات الاقتراع والفرز ليكون مرجعا موحدا يُوضِّح جميع الإجراءات التي تشملها كل مراحل العملية في الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية، وطبعت الهيئة مائة ألف نسخة منه وزعت على رؤساء وأعضاء مراكز ومكاتب الاقتراع وجميع المتدخلين في عمليتي الاقتراع والفرز، إضافة إلى شركاء العملية الانتخابية من ملاحظين وممثلي قائمات وصحفيين وغيرهم. واستند هذا الدليل إلى قرارات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الخاصة بإجراءات عملية الاقتراع والفرز ومجمل الإجراءات التي اتخذتها الهيئة مثل استخدام الحبر الانتخابي وإقرار وضع ونقل محاضر الاقتراع والفرز في أكياس بلاستيكية مؤمنة، وهو إجراء جديد أسهم في إضفاء مزيد من النزاهة على العملية الانتخابية.

وقامت الهيئة بالتقليص من حجم الخلوة التي تم اعتمادها في انتخابات 2011 بحيث يسمح الشكل الجديد للخلوة بمراقبة مدى احترام المنع المتعلق باستعمال الهاتف الجوال، وذلك دون الإخلال بمبدإ سرية الاقتراع. وأتاحت الهيئة لممثلي القائمات المترشحة وممثلي المترشحين والملاحظين تقديم مذكرات تتضمن ملاحظاتهم حول سير عملية الاقتراع وطلب الرد من رؤساء المكاتب.

ومن جهة أخرى، نظّمت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عديد الدورات التدريبية لجميع المتدخلين من هيئات فرعية وإدارات فرعية وأعضاء مكاتب الاقتراع والفرز في الداخل والخارج وأعوان مركز النداء. كما تمّ إعداد عملية محاكاة بيضاء لعملية الاقتراع والفرز يوم 18 أكتوبر 2014 بهدف توضيح الإجراءات لجميع المعنيين بها من مواطنين ووسائل إعلام ومنظمات وملاحظين.

واعتمدت الهيئة في ضبط مكاتب الاقتراع على قاعدة البيانات الخاصة بمراكز الاقتراع التي وقع استغلالها في انتخابات 2011 حيث تم تركيز 4534 مركز اقتراع داخل الوطن تحتوي على 10567 مكتب اقتراع، والتي تتمثل في المدارس الابتدائية خاصة وبعض المدارس الإعدادية والمعاهد ثانوية.

أما بالدوائر الانتخابية خارج الجمهورية، فقد أدى اعتماد الهيئة على خارطة مكاتب الاقتراع لسنة 2011 إلى عدم ملاءمة المواقع الجغرافية لمكاتب الاقتراع مع توزّع الناخبين التونسيين المقيمين بالخارج. وقد ساهم عدم تعاون عدد من الدول المضيفة بخصوص توفير فضاءات جديدة يمكن استغلالها كمكاتب اقتراع بشكل يتلاءم وتوزيع التونسيين بالخارج حسب مكان إقامتهم أو عملهم في عدم إقبال الناخبين على التصويت بنسب مرتفعة. وقد مثلت حركة الناخبين التونسيين الدائمة في إيطاليا بين الشمال والجنوب وبين إيطاليا وباقي دول أوروبا، إضافة إلى المشاكل التي تمت معاينتها عند التسجيل، أحد أهمّ أسباب ضعف الإقبال على الاقتراع في هذه الدائرة بالذات. ولذلك، يتعين على الهيئة مراجعة التوزيع الجغرافي لمراكز الاقتراع، خاصة بالدوائر الانتخابية بالخارج، ودراسة جميع الحلول لاستغلال الفضاءات المتاحة لتقريب المراكز من الناخبين.

وفي إطار تعزيز مبدإ إتاحة الاقتراع للجميع، اخذت الهيئة جملة من التدابير لفائدة الناخبين الذين يشكون من إعاقة بصرية تمثلت في إعداد وتصميم وطباعة حافظة ورقة الاقتراع بلغة "براي" ممّا يسّر عملية الاقتراع لهذه الفئة دون الاستعانة بمرافق. ولئن تعد هذه المبادرة تتويجا لعمل مثمر بين الهيئة وعدد من الجمعيات الناشطة في مجال الإحاطة بالأشخاص ذوي الإعاقة، فإن غياب معطيات دقيقة حول نسبة استعمال تلك الأدوات خلال مختلف المواعيد الانتخابية، وفي ظل عدم توفر إحصائيات دقيقة تتعلق بتوزيع ذوي الإعاقة البصرية حسب الدوائر الانتخابية والمعتمديات ومراكز الاقتراع، فضلا عن عدم إلمام وتمكّن عدد منهم من لغة براي، تجعل الاستفادة من تلك التدابير محدودة. وهو ما يستدعي من الهيئة العمل على وضع خطة استراتيجية بالشراكة مع الهياكل الحكومية المعنية ومع مختلف الجمعيات الناشطة في هذا المجال لوضع قاعدة بيانات دقيقة وإعداد برامج ومناهج لتعميم دروس تعليم لغة براي لتشمل أكبر عدد ممكن من هذه الفئة من الناخبين.

وقد تمّ بالتنسيق مع المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظمة Handicap International، زيارة 172مركز اقتراع في 15ولاية وتمّ تشخيص مدى سهولة النفاذ إليها بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة العضوية. واعتمادا على هذا التشخيص، وقع تحديد 46 مركزا ذي أولوية في 12 دائرة انتخابية وقامت الهيئات الفرعية بتجهيزها بمدخل خاص بذوي الإعاقة ليوم الاقتراع. وتعتزم الهيئة ضبط استراتيجية مع الهياكل العمومية على غرار وزارة التربية والإدارات الأخرى المعنية لتهيئة وتأهيل مراكز ومكاتب الاقتراع حتى تستقبل مختلف الفئات من الناخبين، لا فقط عبر ضمان سهولة الولوج والمغادرة، بل أيضا من أجل توفير المرافق الأساسية لتيسير عملية الاقتراع من إنارة كافية ومرافق صحية لائقة.

وقد ساهمت عمليات التوعية والإعلام التي قامت بها الهيئة في تحقيق نسب إقبال مرتفعة في المواعيد الانتخابية الثلاثة، حيث تراوحت بين أكثر من 67% في الانتخابات التشريعية وحوالي 63% في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية وأكثر من 60% في الدورة الثانية. ويتجه التفكير في برامج طويلة الأمد تقودها الهيئة وتشارك فيها منظمات المجتمع المدني للتنسيق مع الهياكل التعليمية والثقافية الحكومية والخاصة من أجل إنجاز برنامج استراتيجي في مجال التوعية المدنية موجه إلى تلاميذ المدارس الإعدادية والمعاهد ومراكز التكوين المهني والمؤسسات التي تؤوي خاصة فئة المراهقين، يكون الهدف منها جلب فئة الشباب والمقبلين الجدد على الانتخابات في الاستحقاقات القادمة.

وقامت الهيئة بتقسيم عدد الناخبين بالتساوي على مكاتب الاقتراع لتفادي التفاوت بين أعداد المقترعين في مختلف المكاتب التابعة لنفس المركز، وذلك تجنبا لما حدث في بعض المراكز في 2011 من طول انتظار في صفوف طويلة ومرهقة. وقد تطلب تنظيم قبول الناخبين تحضيرات خاصة بالإضافة إلى الاهتمام بالمسائل المتعلقة بتأمين المراكز الواقعة في الدوائر الانتخابية الكاف وجندوبة والقصرين ومدنين وتطاوين لأسباب أمنية.

ومن أجل تأمين الانتخابات ودرء المخاطر الانتخابية، تمّ عقد اجتماعات تنسيقية في إطار اللجنة الوطنية لأمن الانتخابات المتكونة أساسا من ممثل عن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وإطارات عن الوزارات المكلفة بالدفاع والداخلية والخارجية والشباب والرياضة وأطراف أخرى تابعة لهياكل حكومية مختلفة. وتم في هذه الاجتماعات وضع خطة تأمين متكاملة تغطي كافة مراحل المسار الانتخابي، كما تمّ تفعيل مخطط اتصال كان بمثابة حلقة الربط بين جميع المتدخلين المباشرين في العملية الانتخابية. وقد تم في هذا الصدد التعاون بين الهيئات الفرعية وممثلين عن الأمن والحرس الوطنيين المتدخلين على المستوى الجهوي. وقدمت مختلف الأطراف دعما في مجال تدخلها، حيث تدخلت وزارة الدفاع الوطني في مجال الدعم اللوجستي وتأمين المواد الانتخابية وتأمين مراكز الاقتراع، وقد قطعت سيارات الجيش الوطني، في إطار عمليات نقل المواد الانتخابية من المخزن المركزي إلى المخازن الجهوية ومن المخازن الجهوية إلى مراكز الاقتراع، مسافة قدرت بحوالي 36032 كم ووصل عدد المسالك إلى حوالي 391 مسلكا في كل دورة انتخابية. وأمّنت وزارة الداخلية مقرات الهيئات الفرعية والمقرات الرئيسية للهيئة المركزية ومراكز الاقتراع ومراكز الجمع والمكاتب المركزية، وحماية المترشحين للانتخابات الرئاسية. كما تولت التنسيق مع الهيئة في تحديد مراكز الاقتراع ذات الأولوية من الناحية الأمنية وضبط مراكز الاقتراع ذات التوقيت الاستثنائي.

ويعتبر تأمين العملية الانتخابية بالخارج من أبرز التحديات التي واجهتها الهيئة باعتبار ما يفرضه تنظيم انتخابات على أراض أجنبية من خصوصيات تراعى فيها الأعراف الدولية والديبلوماسية والأنظمة القانونية للبلدان المضيفة. وقد وصل عدد مكاتب الاقتراع الممنوحة في الخارج من سلطات البلد المضيف إلى 239 مكتبا من جملة 392 مكتب اقتراع في الخارج. وقد كان تعاون السلطات في البلدان التي جرت فيها الانتخابات طيّبا في مجمله. وقامت الهيئة بالتعويل أيضا على شركات حراسة خاصة في بعض المناطق لتأمين مكاتب الاقتراع.

وقد تطلبت عمليّة تعليب المواد الانتخابية والمكتبيّة مشاركة حوالي 80 عونا، وتم تقسيم العمل بالمخزن الرئيسي للهيئة وفق نظام المجموعات خاصة أنّ عملية قبول المواد كانت متزامنة مع بداية تحضير وتوضيب المواد المكتبية والانتخابية. وقد عملت جميع الفرق بطريقة متزامنة ومتواصلة إلى حين إعداد المعدّات والمواد الانتخابية الخاصة بالداخل والخارج في نفس الوقت، ممّا شكل تحديا كبيرا من حيث إنجاز وتحضير الطرود الخاصة بالدوائر الانتخابية بالداخل والخارج وما يتطلّبه هذا العمل من دقة وتثبّت عند التحضير. وقد تم التنسيق مع وزارة الخارجية لتحضير الطرود وتوجيهها حسب الأولوية إلى الدوائر الانتخابية بالخارج وخاصة مكاتب الاقتراع التي يصعب إيصال المواد إليها من حيث بعد المسافة ومن حيث خصوصية الإجراءات المتعلّقة بإرسال الطرود إليها. وأما داخل الجمهورية، فقد تمّ ضبط برنامج مع وزارة الدفاع قصد تحضير المواد الخاصة ببعض الدوائر الانتخابية لإرسالها عن طريق الجوّ والتي تخص دوائر الجنوب (صفاقس 1، صفاقس 2، قابس، قبلي، توزر، مدنين، تطاوين،). وتم في المقابل إيصال المواد الانتخابية بالشاحنات العسكرية.

وتجدر الإشارة إلى أنه تمّ في الدورتين الأولى والثانية للانتخابات الرئاسية تسجيل تحسّن كبير في توضيب المواد الانتخابية، حيث تمّ التقليص في هامش الخطإ والنقص في الطرود وفي تسريع عمليات التعليب التي تمّ إنهاؤها قبل ثلاثة أيام من انطلاق عمليات الاقتراع في الانتخابات التشريعية، وقبل ثمانية أيام كاملة في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، وقبل 12 يوم في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية.

وتحضيرا للدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، نظمت الهيئة يوم 3 نوفمبر 2014 ندوة تقييمية لسير عمليات الاقتراع والفرز واحتساب النتائج في الانتخابات التشريعية، وقد حضر الندوة أعضاء الهيئات الفرعية للانتخابات والإدارات الفرعية، وتم اتخاذ مجموعة من القرارات أهمها تقييم أداء رؤساء وأعضاء مكاتب الاقتراع وتنبيههم إلى الأخطاء التي ارتكبوها والتعرف على أسبابها، وإنجاز دورة تكوينية خاصة بالانتخابات الرئاسية للمكوّنين ورؤساء مراكز الاقتراع ومساعديهم ورؤساء وأعضاء مكاتب الاقتراع والمكلفين بتجميع النتائج مع التركيز خاصة على تجاوز الإخلالات التي حدثت في الانتخابات التشريعية. وقد تمّ تغيير 1457 من بين رؤساء مراكز الاقتراع ومساعديهم ورؤساء وأعضاء مكاتب الاقتراع وتمّ إنجاز عدة دورات تكوينية تكميلية لتكوين المكونين وأعضاء الهيئات الفرعية ومنسقي الإدارات الفرعية ومنسقي العمليات الميدانية يومي 8 و9 نوفمبر 2014 بكل من الحمامات وسوسة وتوزر. وفي الخارج قامت الهيئة بتنظيم دورات تكوينية إضافية مكثفة لأعضاء الهيئات الفرعية والمنسقين ورؤساء مراكز ومكاتب الاقتراع.

وقد كان لهذا التقييم والدورات التكوينية الإضافية أثر بالغ في تحسين أداء الهيئة الذي ظهرت مؤشراته واضحة وجليّة في الدورتين الأولى والثانية للانتخابات الرئاسيّة من خلال تقليص عدد المحاضر المودعة خطأ بصندوق الاقتراع وعدد القرارات التصحيحية من دورة إلى أخرى.

  1. عمليات جمع وإعلان النتائج

سعت الهيئة بمناسبة الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى تفادي النقائص التي تمّ تسجيلها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، وقد عملت في هذا الإطار على تنظيم هذه العملية من خلال إصدار قرار ينظم كامل مراحل عملية احتساب النتائج والضمانات المرتبطة بها والمتعلقة خاصة بمبدأ شفافية الانتخابات. وبالنظر إلى ما حقّقته الهيئة من اختصار لآجال الإعلان عن النتائج وقبول جميع الأطراف بها، يمكن القول إنّ هذه المرحلة كللت بالنجاح.

ويمثّل مبدأ شفافية الانتخابات أحد أهم المبادئ التي أقرها الدستور وأكّدها المشرع في القانون المحدث للهيئة والقانون الانتخابي، وقد تم التنصيص صلب قرار احتساب النتائج على كافة التدابير التي من شأنها ضمان شفافية العملية وتأكيد نزاهة الانتخابات، على غرار تمكين الملاحظين وممثلي القائمات المترشحة في الانتخابات التشريعية وممثلي المترشحين في الانتخابات الرئاسية والصحافيين المعتمدين والضيوف من حضور أعمال المكاتب المركزية ومراكز الجمع، والحرص على حضورهم أيضا قبل إعادة فتح صناديق الاقتراع عند الاقتضاء من قبل المكتب المركزي أو مركز الجمع، ونشر محاضر الفرز على الموقع الإلكتروني للهيئة مصحوبة بالقرارات التصحيحية المتعلقة بها.

ونظرا لأهمية مرحلة احتساب النتائج والاهتمام الذي تحظى به من قبل كافة الأطراف المتداخلة في العملية الانتخابية والرّأي العام، تمّ التنصيص على إمكانية الكشف الجزئي للنتائج من قبل الهيئة، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّل لها التصريح بالنتائج.

وقد أثار تطبيق أحكام المطّة 14 من الفصل 3 من القانون الانتخابي، بمناسبة ضبط قواعد احتساب نتائج الانتخابات الرئاسية، إشكالات تتعلق بمدى تضاربه مع أحكام الفصل 75 من الدستور ذلك أن إقرار المشرع لقاعدة احتساب الأوراق البيضاء ضمن الأصوات المصرح بها، وعدم احتسابها في الحاصل الانتخابي، من شأنه أن يطرح إشكالاً يتمثّل في إمكانية عدم تحصّل أي من المترشحين على الأغلبية المطلقة للأصوات المُصرّح بها في أي من الدورتين الأولى أو الثانية للانتخابات الرئاسية مثلما نص على ذلك الفصل 75 من الدستور. لذلك عملت الهيئة على تفادي هذا التضارب من خلال استبعاد تطبيق القاعدة المنصوص عليها بالمطة 14 من الفصل 3 من القانون الانتخابي في احتساب نتائج الانتخابات الرئاسية وحصرها في الانتخابات التشريعية، وقد رجّح تنصيص المشرع على عبارات "ولا تحتسب ضمن الحاصل الانتخابي" ضمن هذه المطة هذا التوجه ذلك أنه لا يمكن الحديث عن حاصل انتخابي في الانتخابات الرئاسية. ويتعيّن على المشرع التدخل في هذا الصدد لتنقيح القانون الانتخابي وتقديم تعريف جديد للأصوات المصرح بها في الانتخابات الرئاسية يختلف عن التعريف الحالي الوارد في المطة 14 من الفصل 3.

وقد قامت الإدارات والهيئات الفرعية للانتخابات، بعد التنسيق مع الأطراف المعنية، باستعمال القاعات الرياضية المغطاة الجهوية أو المراكز الثقافية أو تسويغ قاعات خاصة بغاية استغلالها مكاتب مركزية أو مراكز جمع لنتائج الانتخابات. وقد انطلقت العمليات التحضيرية قبل فترة معقولة من انطلاق الانتخابات لضمان سير العملية بكل أريحية، وتمّ تقسيم الفضاءات بطريقة تسمح بتسيير عملية الفرز والتجميع حتى يتم إعداد النتائج في الآجال القانونية وتجهيز القاعات بشبكات الاتصال والأنترنات وكذلك لوحات للجمع اليدوي وحواسيب للجمع الآلي وكل ما يلزم من معدات لوجستية.

وقد تم تسجيل تحسّن كبير في الوقت المستغرق لنقل صناديق الاقتراع ومحاضر الفرز إلى المكاتب المركزية ومراكز الجمع حيث تمّ التقليص في معّدل التوقيت المستغرق من 13 ساعة في الانتخابات التشريعية إلى 8 ساعات ونصف في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية ثم إلى 6 ساعات.

وساهمت عمليات التكوين المتواصلة لأعضاء مكاتب الاقتراع وتقييم أدائهم في الرفع من كفاءتهم والتقليص من عدد القرارات التصحيحية ومحاضر إعادة فتح صناديق الاقتراع.

وطيلة الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة، وبهدف إضفاء مزيد من الشفافية على العملية الانتخابية وتأكيد نزاهتها، قامت الهيئة باعتماد 29712 ملاحظا منهم 1036 ملاحظا أجنبيا يمثلون 28 منظمة أجنبية و28676 ملاحظا محليا عن 24 جمعيّة ومنظمة ملاحظة محليّة. كما قبلت اعتماد 2281 صحفيا منهم 1055 صحفيا محليا و504 صحفي أجنبي.

وقد تم تدعيم الملاحظين، الذين تابع أغلبهم كافة مراحل المسار الانتخابي، من خلال اعتماد 71236 من ممثلي القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية و59172 من ممثلي المترشحين في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية و19494 ممثلا إضافيا في الدورة الثانية، ليصبح العدد الإجمالي لممثلي المترشّح محمد المنصف المرزوقي المعتمدين خلال الدورتين 28612، منهم 13875 ممثلا تمّ اعتمادهم في الدورة الأولى، في حين بلغ العدد الإجمالي لممثّلي المترشح محمد الباجي قايد السبسي المعتمدين 26062، منهم 21305 ممثّلا تمّ اعتمادهم في الدورة الأولى.

وقد اعتبر أغلب المشاركين في ملاحظة انتخابات سنة 2014 أنهّا انتخابات ديمقراطية وحرة وتعددية ونزيهة وشفافة، إذ تمّ إنجاز مختلف مراحل المسار الانتخابي وفقا لما يقتضيه التشريع الجاري به العمل والمعايير والممارسات الدولية المتعارف عليها. وهو ما أكّده تقرير برنامج نزاهة الانتخابات الذي صدر سنة 2015 عن قسم العلاقات الحكومية والدولية بجامعة سيدني الأسترالية حول مختلف الانتخابات التي تمّ إجراؤها في العالم خلال الفترة الممتدّة بين سنتي 2012 و12014. وقد احتلت تونس في هذا التقرير المرتبة 25 عالميا من جملة 127 دولة، إذ بلغ مؤشر النزاهة الانتخابية فيها 75.5 نقطة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، بعد أن احتلت تونس المرتبة 34 بمؤشر يقدر بـ72.4 نقطة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2014، وهو ما يبرز التحسّن الواضح في هذا المجال من موعد انتخابي إلى آخر.

واستند التقرير إلى ما خلص إليه المعهد الوطني الديمقراطي NDI من حرفية الهيئة في إنجاز الانتخابات التشريعية والرئاسية داخل الجمهورية وخارجها، وما أكدته بعثة الاتحاد الأوروبي لملاحظة الانتخابات في تونس التي اعتبرت أن انتخابات سنة 2014 جرت في ظلّ جوّ هادئ وسلمي وأن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أدارت العملية الانتخابية بمهنية عالية وأعلنت عن النتائج في كنف الشفافية.

  1. الخلاصة
  • أفرز المسار الانتخابي لسنة 2014 بنية اقتراع مكتملة على مستوى مختلف الدوائر الانتخابية داخل الجمهورية تتكوّن من إدارات فرعية للانتخابات دائمة تضمّ موظفين ومنسّقين محليين وميدانيين ومكونين جهويين، بالإضافة إلى طاقم اقتراع متكامل يضم خبرات جهوية وبتركيبة متنوعة يساوي فيها عدد الرجال عدد النساء، ويمثل فيها الشباب الجزء الأكبر. وقد اكتسب هؤلاء، بعد ثلاث دورات انتخابية متتالية، خبرة كافية لإدارة العملية الانتخابية بالمعايير المطلوبة. ويمكن القول بناء على ذلك أن هذه البنية إذا ما تم تعهّدها بتطوير كفاءة الموظفين والمكونين وطاقم الاقتراع، علاوة على مزيد الاعتناء بمراكز ومكاتب الاقتراع، فإنها ستصبح مكسبا ثابتا يمكّن من إنجاز الانتخابات المختلفة والاستفتاءات داخل الوطن في أدنى الآجال الممكنة. أما في الخارج فلم تستقر بنية الاقتراع بالشكل الكافي وتجدر مراجعة خارطة المكاتب التي تم استعمالها ومزيد دراسة حركة التونسيين بالخارج والتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية للجالية التونسية من أجل تحديث سجل الناخبين التونسيين بالخارج ومن أجل إعادة توزيع المراكز والمكاتب والتفكير في تركيز إدارات فرعية للانتخابات دائمة بالخارج.
  • أظهر التفاعل الميداني مع الإطار القانوني المنظم للانتخابات، طيلة المسار الانتخابي سنة 2014، عدة نقاط ضعف خاصة في القانون المحدث للهيئة والقانون الانتخابي. ولئن تم تجاوز العديد من هذه النقائص من خلال النصوص الترتيبية التي أصدرتها الهيئة وقرارات المحاكم المختصة، غير أن مراجعة بعض أوجه النقص هذه أصبح ضروريا من أجل تطوير المنظومة القانونية التي تتعلق بالانتخابات خاصة فيما يتعلق بتلافي الغموض أو التناقض أو التضييق الذي شاب بعض فصول القانون الانتخابي. كما يتعين سدّ الثغرات التي تمت ملاحظتها في المنظومة القانونية خاصة تلك المتعلقة بتنظيم الحياة السياسية وتمويلها والتغطية الصحفية للانتخابات والحملات الانتخابية وسبر الآراء وغيرها من المسائل وثيقة الصلة بالانتخابات، وهو ما من شأنه أن يدعم الهيئة في أدائها لمهامها ويسهم في دعم نزاهة وشفافية وديمقراطية الانتخابات خاصة والحياة السياسية عموما. ويجدر هنا إنجاز دراسات قانونية وفتح باب الحوار بين مختلف الأطراف لإنجاز بنية قانونية متكاملة.
  • أظهر جل الفاعلين السياسيين احتراما لمقتضيات المعايير الدولية الخاصة بالانتخابات الحرة والنزيهة، وقد قامت الحكومة، التي تمّ تشكيلها من الكفاءات الوطنية غير المتحزّبة، بدور فعال ومحايد في دعم إنجاز العمليات الانتخابية تحت إشراف الهيئة. ويتعين في هذا الإطار دعم هذا التعاون وإبعاده عن الحسابات السياسية التي قد ترتبط بطبيعة الحكومة، وذلك خاصة من خلال وضع إطار عام يحافظ على استقلالية الهيئة من كافة النواحي، سواء المالية أو الإدارية أو التنفيذية منها، وفي نفس الوقت يجعل من تأمين جزء من العملية الانتخابية محمولا على أجهزة حكومية تعمل في حياد تام عند إنجازها للمهام المسندة إليها بالتنسيق مع الهيئة.
  • ظهرت بوادر سلبية أثناء إنجاز المسار الانتخابي سنة 2014 تتعلق باستعمال وسائل الإعلام للدعاية غير المتكافئة ووسائل أخرى للإشهار السياسي أو الرشوة الانتخابية بغاية التأثير على الناخبين، وقد وجدت الهيئة عدة صعوبات عملية وقانونية للتصدّي لها أو تسليط عقوبات رادعة على مرتكبيها. وقد يؤدي هذا الأمر، إذا لم يتم تمكين الهيئة من كافة الآليات خاصة القانونية منها، إلى تنامي هذه الظواهر السلبية بمناسبة الانتخابات أو الاستفتاءات القادمة، وتعتادها الأحزاب ووسائل الإعلام وشركات الإشهار وربما الناخبون أنفسهم. ولتفادي مثل هذه الإشكالات، خاصة وأن المسار الديمقراطي في تونس مازال في بداياته، لا بدّ من ميثاق ملزم لكل الأطراف يدعم التنافس النزيه بين كافة الأطراف والتيارات السياسية داخل البلاد، بالإضافة إلى النظر في مراجعة المنظومة القانونية التي تنظّم الحياة السياسية، وتمكين الهيئة من صلاحية إلغاء نتائج المخالفين على مستوى أحد مكاتب أو مراكز الاقتراع وفق ضمانات محددة على غرار إثبات المخالفة والتناسب بين الإجراء المتخذ والمخالفة ومراقبة قرارات الهيئة من الجهات القضائية المختصة.

 

(...)

 

التوصيات

ساهم التعاون بين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وعديد الأطراف الوطنية والدولية، العمومية والخاصة، في إنجاح مختلف مراحل المسار الانتخابي سنة 2014، ويتجه دعم هذه الشراكة من خلال:

  • العمل على مزيد تحديد مجال تدخّل كل من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري في القانون الانتخابي ووضع آليات للتنسيق بينهما لتفادي التضارب في القرارات وتأويل النصوص،
  • توسيع نطاق الإجراء المتعلق بضرورة مساعدة البعثات القنصلية والدبلوماسية للهيئة لتشمل كامل المسار الانتخابي في الخارج وخاصة نقل وتأمين المواد الانتخابية،
  • مزيد تأطير العلاقة مع البنك المركزي قصد تيسير تحويل الأموال للهيئات الفرعية بالخارج خلال المسار الانتخابي،
  • تفعيل دور البنك المركزي ومصالح الديوانة في مراقبة تحويل الأموال من الخارج لتمويل الأحزاب والقائمات المترشحة والمترشحين قبل وأثناء الحملة الانتخابية.
  • تيسير تحويل المساعدات والهبات المالية والعينية المخصصة لدعم المسار الانتخابي لفائدة الهيئة.
  • تشكيل فرق عمل في مختلف مراحل المسار الانتخابي مكوّنة من جميع الأطراف التي تعمل في المجال الانتخابي قصد التّباحث في الطّرق المثلى والصّيغ المناسبة لإيصال المعلومة وتحقيق نجاعة الحملات والتوعية، والتقيّد بها من قبل كل الأطراف،
  • عقد لقاءات دوريّة مع ممثلي الأحزاب والراغبين في الترشح للانتخابات حتّى خارج الفترات الانتخابيّة لتعزيز المقاربة التّشاركيّة التي انتهجتها الهيئة.
  • تنظيم أيام دراسية وورشات عمل مع نقابة الصحفيين، وجمعية مديري الصحف واتحاد أصحاب المؤسسات الإعلامية حول النظام القانوني للتغطية الإعلامية للحملة الانتخابية والالتزامات المحمولة على الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية.
 

[5]  السيد محمد كمال الجندوبي (رئيسا)، السيدة سعاد القلعي حرم التريكي (نائبة الرئيس)، السيد بوبكر بالثابت (الكاتب العام)، السيد مراد بن مولي، السيد نبيل بفون، السيد أنور بن حسن، السيد عبد الرحمان الهذيلي، السيد محمد الصغير عاشوري، السيدة منية العابد، السيد العربي شويخة، السيد سامي بن سلامة، السيد رضا الطرخاني، السيد محمد الفاضل محفوظ، السيد عمر التونكتي، السيد محمد بن سالم، السيد زكي الرحموني.

[14] تمثلت هذه القرارات في:

  1. القرار المشترك مع الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري يتعلق بضبط القواعد الخاصة للحملة الانتخابية وحملة الاستفتاء بوسائل الإعلام والاتصال السمعي والبصري وإجراءاتها،
  2. قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 20 مؤرخ في 8 أوت 2014 يتعلق بضبط قواعد تمويل الحملة الانتخابية وإجراءاته وطرقه،
  3. قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 25 لسنة 2014 بتاريخ 08 سبتمبر 2014 يتعلق بضبط القواعد والشروط العامّة التي يتعيّن على وسائل الإعلام التقيّد بها خلال الحملة الانتخابية وحملة الاستفتاء،
  4. قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 26 لسنة 2014 بتاريخ 08 سبتمبر 2014 يتعلق بضبط قواعد الحملة الخاصة بوسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية،
  5. قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 27 لسنة 2014 بتاريخ 10 سبتمبر 2014 يتعلق بضبط القواعد الخاصة باستعمال القائمات المترشحة عن الدوائر الانتخابية في الخارج،
  6. قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 28 لسنة 2014 بتاريخ 15 سبتمبر 2014 يتعلق بضبط قواعد تنظيم الحملة الانتخابية وحملة الاستفتاء وإجراءاتها.