قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 7/2017 بتاريخ 17 أوت 2017 المتعلق بمشروع القانون الأساسي عدد 38/2017 المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد

 

باسـم الشعـب،

إنّ الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين،

بعــد الاطّلاع علـى الدّستور وخاصّــة الفصول 125 و130 منه،

وعلى القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المؤرخ في 18 أفريل 2014 المتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين،

وعلـــى القـــرار الجمهوري عــــدد 89 لسنــــة 2014 المــــؤرّخ في 22 أفريل 2014 المتعلق بتعيين أعضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين،

وعلى مشروع القانون الأساسي عدد 38/2017 المتعلق بهيئة الحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد والمصادق عليه من قبل مجلس نوّاب الشّعـــــب بتاريــخ 19 جويلية 2017،

وعلــى عريضـــة الطعــــن فـــي دستـــوريــــة مشــــروع القــــانـــون عدد 38/2017 التي رفعتها مجموعة من النّواب بمجلس نوّاب الشعب تمثّلها النائبة سامية حمودة عبّو والمرسّمة بكتابة الهيئة تحت عدد 07/2017 بتاريخ 26 جويلية 2017 وتتضمّن النّوّاب الآتي ذكرهم : غازي الشواشي ـ سالم لبيض ـ منجي الرحوي ـ زياد لخضر ـ زهير المغزاوي ـ عبد المومن بلعانس ـ أيمن العلوي ـ سامية حمودة عبو ـ أحمد الخصخوصي ـ نعمان العش ـ رضا الدلاعي ـ نزار عمامي ـ عمار عمروسية ـ سعاد البيولي ـ إبراهيم بن سعيد ـ جيلاني الهمامي ـ عدنان الحاجي ـ أحمد الصديق ـ شفيق العيادي ـ طارق البراق ـ محمد الأمين كحلول ـ توفيق الجملي ـ ألفة الجويلي ـ محمود القاهري ـ طارق الفتيتي ـ عبد الوهاب الورفلي ـ سعاد الزوالي حمزة ـ عبد العزيز القطي ـ ناصر شويخ ـ كمال هراغي ـ مباركة عواينية البراهمي ـ هيكل بلقاسم ـ فتحي الشامخي ـ صبري الدخيل ـ عماد الدايمي ـ ليليا يونس كسيبي ـ ريم محجوب المصمودي ـ نزهة بياوي ـ مراد حمايدي ـ علي بنور.

وبعد الاطلاع على ما يفيد إعلام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نوّاب الشعب ورئيس الحكومة بترسيم عريضة الطّعن المشار إليها ومؤيّداتها بكتابة الهيئة،

وعلى مكتوب رئيس الحكومة الوارد على الهيئة بتاريخ 31 جويلية 2017 والمتضمّن ملاحظات الحكومة بخصوص الطّعن المرفوع لدى الهيئة من قبل مجموعة من النوّاب بمجلس نوّاب الشّعب في دستورية مشروع القانون عدد 38/2017،

وقد تضمنت عريضة الطّعن نعيا على مشروع القانون عدد 38/2017 في دستوريته في ما اعتبره الطّاعنون مخالفة بعض أحكامه لعدد من فصول الدستور ويفصّلون ذلك في المآخذ المبيّنة تاليا:

أولا: مخالفة مشروع القانون برمّته وخاصّة الفصول 1 و32 منه لأحكام الفصلين 125 و130 من الدّستور:

ينعى العارضون على المشروع الماثل توسّعه في تحديد تركيبة الهيئة حيث تمّ إدراج الجهاز الإداري الذي يتمّ اختيار أفراده بالتّعيين في تركيبة الهيئة في حين أنّ الفصلين 125 و130 من الدستور ينصّان على أنّ أعضاء الهيئة يجب أن يكونوا مستقلّين ومحايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة ويقع انتخابهم من قبل مجلس نوّاب الشّعب بأغلبية معزّزة وبالتّالي فإنّ اعتبار الجهاز الإداري مكوّن من مكوّنات الهيئة فيه خرق لأحكام الفصلين المذكورين ما يصيّر المشروع بكامله وخاصّة الفصلين 1 و32 منه مشوب بعدم الدّستوريّة بسبب تأسيسه على أسس غير دستوريّة.

ثانيا: مخالفة الفصلين 43 و51 من مشروع القانون لأحكام الفصلين 125 و130 من الدّستور:

يؤسس العارضون مؤاخذتهم على المشروع الماثل من هذا الجانب انتزاعه لكلّ الصّلاحيات الدّستورية للهيئة وإضعافها لتعجيزها عن القيام بمهامّها الدستوريّة حيث أسند إليها مهامّا دون صلاحيات ومكّن الجهاز الإداري من سلطة ممارسة صلاحيات أصلية للهيئة كتلك المتعلّقة بالرّصد والتقصّي والتّحقق من حالات الفساد، ويرى الطّاعنون أنّه في إحداث جهاز غير دستوري صلب الهيئة ويعمل باستقلالية عنها يخالف أحكام الفصلين 125 و130 من الدّستور.

ثالثا: مخالفة الفصل 19 من المشروع للفصلين 125 و130 من الدّستور:

يعيب أصحاب الطّعن على المشروع الماثل من هذا الوجه سحبه لسلطة الضابطة العدليّة من مجلس الهيئة ورئيسها بحجّة استفراد الهيئات القضائية بالتكفّل بحماية الحقوق والحريّات من أيّ انتهاك ويردّ العارضون هذه الحجّة بكون الهيئة هي سلطة مستقلّة وأنّ الرّقابة القضائية على أعمالها لا بدّ أن تكون رقابة بعديّة حتى لا يقع تعطيل أعمالها ويستدلّ الطّاعنون في دعم هذا الرّد بالقانون المقارن وكذلك بالقانون التونسي الذي يمنح الضّابطة العدليّة لبعض السّلط الإداريّة المستقلّة التي لا ترتقي في منزلتها إلى الهيئات الدّستورية،

ويرى العارضون أنّ هذه الهيئات لا يجب أن تخضع لسلطة رئاسيّة أو رقابة إشراف أو تعليمات قبليّة مستشهدين في ذلك بالمرسوم 120 وبنصّ الاتفاقية الدّولية المتعلّقة بمكافحة الفساد.

ويشكّك أصحاب الطّعن في الاستقلالية الممنوحة دستوريّا لهذا الصّنف الجديد من الهيئات الدّستوريّة المستقلّة بسبب ما يعمد إليه المشرّع لتجريدها من صلاحيّاتها ووضعها تحت الرّقابة الثّقيلة والمسبقة للقضاء والمساءلة المشدّدة والمتشعّبة من البرلمان وهو حال هيئة مكافحة الفساد موضوع المشروع الماثل التي جرّدها هذا النصّ من مهامّها ولم يمنح لها أيّة سلطة فعليّة للتقصّي والرّصد والتحقّق بل أخضع جهاز مكافحة الفساد التّابع لها إلى سلطة النيابة العموميّة والقضاء ودون أيّ إمكانية للرّقابة أو التدخّل من أعضاء الهيئة المنتخبين، ويرون في هذا التّوجّه التشريعي مساس بمبدأ تفريق السّلط كما يعتبرون هذه الهيئات الدّستورية سلط داخل الدّولة لها مرتبة السّلطة الدّستورية ما ينفي إمكانية إخضاعها لرقابة سلطة أخرى.

رابعا: مخالفة الفصل 45 من مشروع القانون للفصلين 125 و130 من الدّستور:

يعيب العارضون على المشروع الماثل من هذا الجانب منحه سلطة إعفاء رئيس مجلس الهيئة أو أحد أعضائه إلى مجلس نوّاب الشّعب وهو توجّه لا يستقيم في تقديرهم لأنّ مجلس نوّاب الشّعب هو موضوع عمل الهيئة ولا يمكن حينئذ أن يكون خصما وحكما في الآن نفسه.

إضافة إلى ذلك يذهب أصحاب الطّعن إلى اعتبار "الخطأ الجسيم" الذي تباشر سلطة الإعفاء على أساس وجوده هو مفهوم مبهم وينال من مبدأ الاستقلالية المضمون دستوريّا وتأسيسا على هذه المؤاخذات السّالف بيانها التي وجّهها العارضون لمشروع القانون المعروض طعنا في دستوريّته وخاصّة في دستوريّة فصوله 1 و19 و32 و43 و45 و51 فإنهم يطلبون الحكم بعدم دستوريته لمخالفته الفصلين 125 و130 من الدستور.

وفي ردّها على المطاعن الموجّهة من قبل النّواب العارضين للمشروع الماثل، ترى الحكومة - بداية - أنّ أصحاب الطّعن لم يحدّدوا بشكل واضح مناط الدّعوى حيث تضاربت أقوالهم في عدد من وثائق الطّعن بين القول بالطّعن في دستوريّة كامل مشروع القانون وبين القول في الطّعن في عدد من أحكامه وهو ما يخالف التقييد الشّكلي الذي أوجبته الفصول 18 و19 و21 و23 من القانون الأساسي للهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين وعلى أساس ذلك فهي تطلب التصريح برفض الطّعن شكلا.

وفي دفعها من حيث الأصل للمطاعن المثارة تردّ الحكومة بما يلي:

أوّلا: في ما يعتبره العارضون مخالفة الفصلين 1 و32 من المشروع للفصلين 125 و130 من الدّستور:

ترى الحكومة أنه عكس ما يذهب إليه أصحاب الطّعن فإنّ المشرّع ملزم بحسب الدّستور بأن يضع أحكاما تضبط تركيبة الهيئة والتمثيل فيها وطرق انتخابها وتنظيمها وسُبل مساءلتها، وبناء عليه فإنّ الفصل 32 من المشروع يتنزّل في سياق تطبيق أحكام الدّستور في ما يخصّ تنظيم الهيئة وبما يكون معه الفصل المنتقد في سياقه تأهيلا وموضوعا.

وتضيف الحكومة في هذا المعنى بأنّ العارضين وقعوا في خلط بين مفهوم تركيبة الهيئة ومفهوم تنظيمها وأنّ التنظيم يسع التركيبة والتسيير والمساءلة والتنظيم الدّاخلي وتنظيم العلاقات مع باقي السّلط وأجهزة الدّولة، وبناء على هذا التفسير ترى الحكومة أنّ اقتصار الهيئات الدّستوريّة المستقلّة على مجالسها دون أجهزتها التنفيذية يعدّ تضييقا عليها ومساسا باستقلاليتها ما يمكن أن يؤدّي إلى إعاقتها على إنجاز مهامّها لدعم الدّيمقراطيّة، وتضيف الحكومة بأن الفصل 32 من المشروع جاء متناغما مع الفصل 5 من القانون الأساسي المتعلّق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدّستوريّة المستقلّة وهو نصّ مرجعي لكلّ الهيئات الدّستوريّة ولم يكن محلّ جدال يتعلّق بدستوريته.

وتفسّر الحكومة تدخّل المشرّع في تحديد تركيبة الهيئة وكيفيّة تنظيمها بالاستناد لما خوّله الدّستور للسّلطة التّشريعيّة لتفصيل ذلك وتدقيقه، وبناء على ذلك فإنّ الجهاز الإداري للهيئة لا يمكن أن يرتقي لاكتساب الطّابع الدّستوري.

ثانيا: في الرّدّ على اعتبار الفصلين 43 و51 من مشروع القانون مخالفين لأحكام الفصلين 125 و130 من الدستور :

في ردّها لما اتّجه إليه الطّاعنون في هذا الجانب تدفع الحكومة وبالاستناد إلى الفصل 12 من القانون الأساسي للأحكام المشتركة بين الهيئات الدّستورية والفصول 16 و17 و18 و20 و24 و51 من المشروع الماثل بأنّ المهامّ والصّلاحيات المسندة لهيئة الحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد هي مهامّ وصلاحيات أصليّة للهيئة ولهذه الأخيرة أن تفوّض جزءا من أعمالها التحضيريّة والاستقصائية إلى أعوان الجهاز الإداري كلّ حسب اختصاصه لينفرد مجلس الهيئة في الأخير بسلطة اتخاذ القرار، وبناء عليه يصبح القول بأنّ هذا المشروع قد نزع عن الهيئة مهامها وصلاحيّاتها لفائدة الجهاز الإداري غير وجيه ممّا يتجه معه التّصريح برفض المطعن.

ثالثا: في الرّدّ على اعتبار الفصل 19 من المشروع الماثل مخالفا لأحكام الفصلين 125 و 130 من الدّستور:

تردّ الحكومة على ما عرضه أصحاب الطّعن في هذا الجانب بأنّ الأعوان المكلّفون بمعاينة المخالفات وتحرير المحاضر التابعون لسلط إداريّة مستقلّة إنّما يقومون بأعمالهم تلك بتوجيه من رؤسائهم وتحت سلطتهم وهو ما يقيم الدّليل بأنّ أعوان قسم مكافحة الفساد وقسم الحوكمة الرّشيدة يقومون بمهامّهم المشار إليها في الرّصد والتقصّي والتّحقّق لمساعدة الهيئة على الاضطلاع بمهامّها.

وتردّ الحكومة على ما ذهب إليه العارضون في مقولتهم بعدم دستوريّة الفصل 19 مستندين إلى ما تمّ إسقاطه من مقترحات تخصّ صيغة أخرى للفصل المذكور بأنّ هيئة دستوريّة القوانين لا تنظر إلاّ في المشاريع التّي تمّت المصادقة عليها في الجلسة العامّة ولا يتعدّى نظرها إلى المقترحات التي عرضت على هذه الأخيرة والتي لم تحظ بالقبول.

وفي رفضها لمقولة العارضين بأنّ أعوان الهيئة يخضعون لرقابة مسبقة وثقيلة من السّلطة القضائية خلال إنجاز مهامّهم في الرّصد والتّقصّي والتّحقّق تجيب الحكومة بأنّ الفصل 4 من القانون الأساسي للأحكام المشتركة بين الهيئات الدّستوريّة يحصّن هذه الهيئات من الخضوع إلى أيّة سلطة رئاسية أو سلطة إشراف كما يحصّنها من تلقّي التعليمات من أيّة جهة أخرى.

وترى الحكومة بأنّه خلافا لوضعيّة أعوان الأجهزة الإدارية الأخرى المكلّفون بمعاينة المخالفات والجرائم فقط دون الحقّ في ممارسة مهامّ الضابطة العدليّة فإنّ تمكين أعوان قسم مكافحة الفساد بوظائف الضّابطة العدليّة يعدّ ركيزة للاضطلاع بهذا الدّور وليس نقيصة أو مسّا من استقلاليّة الهيئة. وبخلاف ما يتّجه إليه العارضون من أنّ الهيئات الدّستوريّة المستقلّة هي سلطة دستوريّة قائمة لا ترى الحكومة ما يثبت ذلك في نصّ الدّستور الذي أبرز صراحة السّلط الدّستوريّة وهي التّشريعية والتنفيذية والقضائية والمحليّة والحال أن هذه الهيئات الدّستوريّة مكّنها الدّستور من الاستقلالية ومنحها مرتبة دستوريّة لأنّ مهامّها مقتطعة من السّلطة التنفيذية وحصّنها المشرّع من الخضوع لأيّة سلطة أخرى حتّى تؤدّي مهامّها طبقا للأغراض التي أحدثت من أجلها. ولهذه الأسباب تطلب الحكومة ردّ المطعن المتعلّق بالقول بمخالفة الفصل 19 من المشروع للدّستور والحكم برفضه.

رابعا: في ردّها على اعتبار الفصل 45 من مشروع القانون المطعون في دستوريته مخالفا للفصلين 125 و130 من الدّستور:

تذهب الحكومة إلى أنّ الإعفاء يندرج صلب الآليات والسّبل التي أقرّها القانون الأساسي المتعلّق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدّستوريّة المستقلّة وتعتبر أنّ هذه الصّلاحيّة المخوّلة لمجلس نوّاب الشّعب ترد كإحدى تبعات ما أقرّه الدّستور في حقّ هذا الأخير فمن له أن ينتخب له أن يعفي وأن يسائل في إطار جملة من الضمانات والشروط حدّدتها الفصول 45 و55 و57 من المشروع الماثل والفصل 11 من قانون الأحكام المشتركة. إضافة إلى ذلك فإنّه ومن النّاحية الإجرائية لا يتمّ الإعفاء إلاّ بطلب من ثلثي مجلس أعضاء الهيئة ولا يمكن لمجلس نوّاب الشّعب أن يتعهّد بذلك من تلقاء نفسه، كما أنّ الإعفاء لا يتقرّر إلاّ بالتّصويت من ثلثي أعضاء المجلس.

وفي ردّها على أنّ الإعفاء على أساس الخطأ الجسيم يمسّ من استقلاليّة الهيئة باعتباره مفهوما غامضا تجيب الحكومة بأنّ الخطأ الجسيم لا يمثّل السّبب الوحيد للإعفاء وأنّ ارتكاب هذا الخطأ يرجع إلى تقدير الهيئة في أغلبية ثلثيها، وعليه فإنّ الإعفاء ليس إجراء سريعا وإنّما هو عمليّة دقيقة

أمّا بخصوص تحديد مفهوم الخطأ الجسيم تعتبر الحكومة أنّ النّصوص القانونية قد حدّدت في العديد من المواضع هذا المفهوم وهو ما انتهجه المشروع الماثل في فصله 57 يضاف إلى ذلك ما يزخر به فقه القضاء في هذا الموضوع.

وبناء على الأسس التي بيّنتها الحكومة في الرّدّ على هذا المطعن فإنّها تطلب القضاء برفضه كسائر بقيّــة المطاعن والحكم بدستوريّة مشـــروع القانون عدد 38 لسنة 2017 المتعلّق بهيئة الحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد.

الهيئـــة

من حيث الشكل:

حيث استوفى الطّعن الماثل جميع مقوّماته الشّكليّة وفقا للإجراءات والآجال الواجب احترامها حسب دلالة الفصول 18 و19 و20 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المؤرّخ في 18 أفريل 2014 المتعلّق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين وبالتّالي فهو حريّ بالقبول من هذه النّاحية.

من حيث الأصل:

عن المطعن الأول المأخوذ من مخالفة الفصلين 1 و32 من مشروع القانون للفصلين 125 و130 من الدستور:

حيث خلافا لما ذهب إليه الطاعنون من مخالفة مشروع القانون للدّستور في اعتباره الجهاز الإداري جزء من الهيئة فإنّ الفصل 125 من الدّستور الوارد بالباب السّادس المتعلّق بالهيئات الدّستوريّة المستقلّة ضبط تركيبة هذه الهيئات والتمثيل فيها وطرق تنظيمها وهو ما ينسجم مع أحكام الفصل 65 من الدّستور الذي نصّ على أنّه تتّخذ شكل قوانين أساسيّة النّصوص المتعلقة بتنظيم الهيئات الدّستورية وبالتّالي فإنّ إرساء جهاز إداري صلب الهيئات الدّستوريّة لا يكتسي الطّابع الدّستوري وإنّما يقتضيه تنظيم تلك الهيئات ممّا يصيّر هذا المطعن حريّا بالردّ.

عن المطعن الثاني المأخوذ من مخالفة الفصلين 43 و51 من مشروع القانون لأحكام الفصلين 125 و130 من الدستور:

حيث إضافة إلى ما وقع شرحه ردّا على المطعن الأوّل فإنّ مشروع القانون لم يتضمّن ما يفيد أنّ الجهاز الإداري للهيئة مستقلّ عنها وأنّه سيحلّ محلّها ويسحب منها سلطتها التقريرية وإنّما هو جهاز تنفيذي لمقرّرات الهيئة ومجلسها ويعمل تحت سلطتها وبتوجيه منها الأمر الذي يجعل هذا المطعن حريّا بالرّدّ أيضا.

في خصوص المطعن الثالث المتعلق بخرق الفصل 19 من مشروع القانون للفصلين 125 و130 من الدّستور:

حيث ذكر الطّاعنون أنّ الفصل 19 سحب من الهيئة ورئيسها مهام الضّابطة العدليّة وصلاحيتها لصالح أعوان قسم مكافحة الفساد الذين يخضعون في الرّصد والتّحقيق للنّيابة العموميّة والقضاء ممّا يحدّ من استقلاليّة الهيئة التي اعتبروها سلطة مستقلّة بذاتها،

وحيث خلافا للمطعن المتقدّم فإنّ الهيئة المستقلّة لا تعدّ سلطة دستوريّة وإنّ هيئة مكافحة الفساد ترمي إلى التصدّي لجرائم ترتبط بالفساد تقصّيا وتحقيقا وهي كمجمل الهيئات ترمي إلى تحقيق الدّيمقراطيّة دون نظر إلى مسألة تفريق السّلط التي تعني حصريّا السّلط التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة،

وحيث أنّ مهام الضّابطة العدليّة تدخل في مرحلة التتبّعات الجزائيّة التي لها مساس بالحريات والحقوق الأساسيّة وقد وضع الدّستور ذلك تحت أنظار القضاء وفق الفصل 27 و49 و102 و108 من الدّستور كضمان ضدّ انتهاكها والنّيل منها، وبذلك فلا تثريب على مشروع القانون عندما أخضع أعوان مكافحة الفساد للنّيابة العموميّة في حالات خاصّة مع بقائهم دائما راجعين بالنّظر إلى الهيئة ومجلسها.

عن المطعن الرابع المأخوذ من مخالفة الفصل 45 من مشروع القانون للفصلين 125 و130 من الدّستور:

حيث أنّ إسناد صلاحيّة إعفاء رئيس مجلس الهيئة أو أحد أعضائها كيفما نصّ عليها الفصل 45 من مشروع القانون المطعون فيه لا يتعارض ومبدأ استقلالية الهيئة طالما أنّ الإعفاء لا يتمّ إلاّ بتقرير معلّل من مجلس الهيئة ممضى من ثلثي أعضائه وبمصادقة ثلثي أعضاء مجلس نوّاب الشّعب وأنّه محصور في صورة ارتكاب العضو المعني بالإعفاء لخطإ جسيم أثناء قيامه بالواجبات المحمولة عليه بصفته تلك أو في صورة إدانته من أجل جناية أو جنحة قصديّة،

وحيث خلافا لما ذهب إليه الطّاعنون فإنّ مفهوم الخطأ الجسيم من المفاهيم المعتمدة في الفقه والقضاء وهو في سلّم تدرّج الأخطاء ضمانة لاستقلاليّة العضو المعرّض للإعفاء بما يعزّز استقلالية الهيئة وهو ما يجعل هذا المطعن حريّا بالرّدّ.

ولهذه الأسباب،

وبعد المداولة،

قرّرت الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين قبول الطّعن شكلا وفي الأصل بدستورية مشروع القانون عدد 38/2017 المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

وصدر هذا القرار في الجلسة المنعقدة بمقر الهيئـــة بباردو يوم الخميس 17 أوت 2017 برئاسة السيّد الهادي القديري رئيس الهيئة وعضوية السادة عبد السلام المهدي قريصيعة النائب الأوّل للرّئيس والسيد نجيب القطاري النائب الثاني للرّئيس والسيّد سامي الجربي عضو الهيئة والسيدة ليلى الشيخاوي عضوة الهيئة والسيد لطفي طرشونة عضو الهيئة.

وحرر في تاريخه.